مراقبون: مافيات الفساد تسيطر على الصحة وأدوية بلا فحص تملأ الصيدليات

الزوراء/ مهند سري:
نصحني الصيدلاني أن أشتري الدواء القادم من لبنان، مع وجود مثيل له مستورد خصيصاً للعراق، وبفعل الفضول الصحفي، سألته: الا ترى أنهما من منشأ واحد، فما يميزهما عن بعض؟.. وحاولت أن أحرك ما يجول بخاطري من سوء الظن بصاحبي، لكن بأسلوب غير جارح، مع ابتسامة تعتلي شفتي: صديقي صار مثل الأطباء الذين يشترطون على مرضاهم أن يشتروا الدواء الفلاني من الصيدلية الفلانية، ويطلبون رؤيته للتأكد منه قبل المغادرة الى البيت، بحسب الاتفاق التجاري مع الشركة الدوائية التي يتعاملون معها.
لكن جوابه كان صادماً: لا، وانما لأن الدواء الذي رشحته لك مفحوص من وزارة الصحة اللبنانية، أما مثيله العراقي، فلا يخضع للرقابة والفحص.
أفزعني كلامه، وأخذت أتساءل مع نفسي: أين دائرة الرقابة الدوائية، وماذا تفعل المراكز الرقابية في المنافذ الحدودية، ومن يحدد صلاحية الدواء للبشر في هذا الوطن؟.
أغلبية الأدوية لا تفحص
الدكتور وليد العبيدي، يؤكد أن أكثر الأدوية الداخلة الى العراق، غير مفحوصة، كما أن فعالية بعضها في العلاج ليست كفوءة، برغم أنها تحمل أحياناً أسماء لشركات رصينة، وهذا يجعل الشك وارداً في حقيقة منشأ هذه الأدوية، وبالتالي المتضرر من ذلك كله، هو المريض، الذي قد يكون الدواء قاتلاً له أحياناً.
وأشار العبيدي الى أن وزارة الصحة في السابق كانت هي من تستورد الأدوية، ومن شركات عالمية معروفة، وتشكل لها لجانًا متخصصة، وتجري عليها فحوصات دقيقة قبل توزيعها للمستشفيات، والصيدليات الحكومية والخاصة، كما كانت تحدد أسعارها بما يكفل للمواطن الفقير أو محدود الدخل شراءها.
وكلام الدكتور العبيدي، يتفق مع ما ذكرته نقابة الأطباء العراقيين، من أن 80 % من الأدوية الموجودة في المذاخر والصيدليات، لا تخضع للفحص، لافتة الى أن السوق غارقة بالأدوية غير المرخصة، كاشفة عن عدم وجود مصانع ومختبرات كافية في العراق لخضوع الأدوية للفحص.
وكان وزير الصحة السابق، الدكتور علاء الدين العلوان، قد كشف عن أن عدداً كبيراً من الأدوية يصل الى 75 % غير مقرة للاستخدام في العراق، أو غير مفحوصة.
مافيات الأدوية
تجارة الأدوية أصبحت تحت سيطرة مافيات مهيمنة على وزارة الصحة، ويبدو أن المسؤول بين خيارين، إما الرضوخ وإما الاستقالة.
ولعل التساؤل الذي يطرحه الشارع اليوم: هل يستطيع وزير الصحة الجديد، الدكتور جعفر علاوي، إصلاح الواقع الصحي المنهار؟.. ام تراه سيصطدم كسابقه بموانع قوية ليعلن استقالته لاحقاً؟.
الصيدلاني حيدر الكرطاني، يقول: إن الفساد في المؤسسة الصحية وصل الى أعلى المستويات، وبالتالي نحتاج الى وزير مقاتل لانتشال هذه المؤسسة من واقعها المزري.
وأضاف أن الفاسدين يتقاتلون للسيطرة على تجارة الدواء، ويمررون الأدوية المهربة، ومنتهية الصلاحية، وغير المرخصة والمفحوصة، على حساب حياة الإنسان في هذا البلد، مستغلين تراجع الصناعة الدوائية في العراق، وسلطة القرارالتي يمتلكونها.
وأوضح أن الضغوط التي تفرض نفسها على المشهد الصحي في البلاد، لصالح التكتلات المتنفذة، تجعل الرهان على وزير جديد للإصلاح غير مناسب، ما لم تشن حرب حقيقية على مافيات الفساد الموجودة في الوزارة، وهذا يتطلب التعامل مع الفاسدين من دون الرجوع الى خلفياتهم وانتماءاتهم وارتباطاتهم.
على طاولة الوزير الجديد
المتقاعدة هناء البغدادي، تقول: أعاني مرضاً في القلب، سألت الصيدلاني عن حالتي، وهل يمكن أن أقلل من جرعة الدواء، ظن في أول وهلة أنني أشكو من أعراض جانبية من جراء الدواء، لكني نفيت ذلك، فنصحني بمراجعة الطبيب لبيان رأيه، فقلت له: سألته، لكنه أصر على الالتزام بتناول الجرعة يومياً، هنا قال الصيدلاني: إذاً لا خيار آخر أمامك، فرددت عليه، لكن أجرة الدواء تفرض خيارها، فرد بعض زبائن الصيدلية أن أتسلم الدواء من العيادة الشعبية بموجب البطاقة الدوائية للأمراض المزمنة، فأخرجتها من حقيبتي: ها هي البطاقة، والدواء منذ شهور غير متوفر، والبديل الذي يصرف لي لا علاقة له بحالتي، بل ويعمل بالعكس، كما قال لي الطبيب.
قال آخر: لما عجزت عن شراء دوائي، لجأت الى الرقية الشرعية، وأسأل الله لي الشفاء.
ثالث يقول: انشغلت بإعلانات الأدوية العشبية، التي تملأ مواقع التواصل الاجتماعي، وأغرتني بوصفاتها ومجالات علاجها، واستبدلتها عن العملية الجراحية المكلفة، ولا أدري هل سأتماثل للشفاء، أم ستزداد حالتي سوءاً.

About alzawraapaper

مدير الموقع