مدير البنك يعني كاشيرا أيضا

كرم نعمة

أنا مضطر إلى إعادة استخدم جملة قديمة لفتت انتباهي منذ سنوات، كي أدافع عن فكرتي الجديدة في هذا المقال.
ففي أول مؤتمر صحافي له في نيويورك عام 2012، كانت الأسئلة التي توجه إلى مارك تومسون رئيس التحرير الجديد لصحيفة نيويورك تايمز، أشبه بسهام الاتهام، بعضهم وصف هذا الإنجليزي القادم إلى الولايات المتحدة ليترأس تحرير واحدة من الصحف الأكثر تأثيرا في العالم، باللاصحافي!
برباطة جأش، رد تومسون على هذا الاتهام بالقول “على مهلكم لا يمكن وصفي باللاصحافي، وممّن؟ من صحافي أيضا!””.
ما زال تومسون يعتبر نفسه في قلب المصهر الصحافي، منذ أن عمل محررا إخباريا في أعرق المؤسسات الإعلامية الدولية، ويؤكد اليوم أن قدرته لم تتراجع على كتابة قصة إخبارية من 1500 كلمة خلال ساعة إذا لزم الأمر.
ذلك تعبير عن المعادل الموضوعي الذي ابتكره ت. أس. إليوت الذي كان يقيس الزمن بملاعق القهوة والشاي.
فتومسون وهو يكتب قصة إخبارية أسوة بأي محرر، مثال عن مدير البنك ومعادل موضوعي له وهو يشمر عن ساعديه ويعد النقود ويسلمها للزبائن، عندما تقتضي الحاجة إلى ترك مكتبه وتعويض موظف مريض أو يتمتع بإجازته.
رئاسة الإدارة لا تعني مطلقا الجلوس خلف مكتب فخم والتمتع على مهل بارتشاف القهوة وتأمل ماذا يحصل ومراقبة الأحداث بملل وتكرار، وينتهي اليوم والمدير لم يفعل شيئا سوى التوقيع على أوراق أو توجيه كلمة مقتضبة وترك المؤسسة تعمل وفق ما هو متاح.
المدير يعني صانع أفكار ومراقبا دائما لتنفيذها واقتراح البدائل وحل المعضلات، يعني التشاور والاستماع إلى أفكار العاملين وتطويرها ومعرفة طريقة عملهم إلى درجة لو اضطر أن يقوم بعمل أيّ واحد منهم سينجزه على أكمل وجه. ذلك يفسر ما معنى أن يكون مدير البنك كاشيرا وليس مجرّد رجل أنيق معزول يراقب راتبه شهريا والمكافآت التي يحصل عليها.
أعطتنا صحيفة فاينانشيال تايمز مثالا على ذلك المدير باختيارها كريستيان كلاين، رئيس أكبر مجموعة برمجيات في أوروبا “ساب”.
نجح كلاين بوصفه أصغر رئيس تنفيذي في مؤشر داكس الألماني للأسهم الممتازة (40 عاما) في إنقاذ ثالث أكبر شركة برمجيات في العالم من شيخوختها، بعد تسلمه وظيفة لا يحسد عليها خلفها له سلفه.
إنه يعبر بامتياز عن فكرة أن يكون مدير البنك كاشيرا، فكلاين، وفق الصحيفة البريطانية التي تهز قلوب رجال الأعمال الصلدة، “رجل التفاصيل” صاحب التركيز الحاد على أدق تفاصيل المشاريع الفردية، وسيطلب من أولئك الذين في الرتب الأعلى منه تأمله مثل التلاميذ، بعد أن أنقذ أصغر مدير شركة كبرى من شيخوختها.

About alzawraapaper

مدير الموقع