مدرسة بغداد للخط العربي بدأت بابن مقلة وابن البواب أرسى قواعد الخط والمستعصمي جعلها سائدة

 

طارق حرب

طارق حرب

اذا كان الخط العربي قد بدأ في العهد الاموي لحاجتهم اليه في الكتابة على العمائر والتحف وكتابة المصحف والمراسلات والنقود واشتهر فيه مالك بن دينار لكن سيادة الخط العربي في جميع الأمصار العربية والاسلامية جاء من بغداد في العهد العباسي اذ زاد تطور الخط العربي في أوائل الدولة العباسية على يد الضحاك بن عجلان وبعده اسحاق بن حماد الكاتب في أيام خلافة المنصور باني بغداد وابنه المهدي وازدهر الخط في عهد الخليفة المأمون بتلامذة اسحاق الذين كتبوا الخطوط الموزونة الاصلية التي لا يقوى عليها أحد الا بالتعلم الشديد وعدتها اثنا عشر يخرج منها اثنا عشر قلما وهي : الجليل والسجلات والديباج والطومار الكبير والثلثين والزنبور والمفتح والحرك والمؤمرات والعهود والقصص والخرفاج والخطاط يوسف الشجري اخترع القلم الجليل وقلم الثلثين وقلم الثلث وأقلام أخرى فأعجب به الفضل بن سهل وزير المأمون ووفرت بغداد الظرف المناسب لتطور الخط العربي وجودته وتغيير أوضاعه وتصبح له أشكال خضعت الى قواعد ومقاييس كانت الاساس المتين لهذا الفن الرفيع.
وابن مقله الوزير البغدادي هندس الحروف العربية وقدر مقاييسها المولود عام 272 هج في بغداد وهو أبو علي محمد بن علي بن الحسين بن مقلة الذي قطعت يده وكان الخط وراء ذلك وقد وصفوه فقالوا: انه مقلة حدقة الزمان ياقوت العرفان مصور النقوش القدسية بالصور الروحانية وحضر الخطوط الهندسية بالأدوات الجسمانية عليه الروضة والرحمن ما كتب القلم وظهر القلم. وهو بغدادي يكنى بأبي الصدر الذي رغب عن عمل أبيه وانصرف للدرس كان أباه كاتباً مليح الخط وعلى خطه كتب والداه أبو علي وأبو عبد الله بلغ مرتبة عالية في علم الاعراب وحفظ اللغة وبلاغة البيان منثوره ومنظومه كما شهد له الصولي بذلك عدوه انسانا عين الاعيان واستاذ اساتذة الزمان ووزيراً ذا شان كان أكبر معرفته هذا الانقلاب الذي أحدثه في الخط وهو لم يقتصر على الخط بل قرض الشعر وقد أفاض العلماء المعنيون بالخط العربي وقال ابن مقلة ان للحروف العربية حيوية شديدة ناشئة من مطاوعتها واستدارتها وانبنائها جميعاً على أصل هندسي ثابت وقاعدة رياضية معروفة فأصل الحروف العربية الألف التي هي خط مستقيم جعلوه قطر الدائرة أما بقية الحروف فهي أجزاء من الدائرة المحيطة بهذا القطر منسوبة اليه لو أعيدت الى التسطيح وأزيل تقوسها لكانت كلها من الألف بنسبة معينة ثابتة فلكل حرف من حروف العربية هندسته الخاصة والحروف كلها بأجزائها وطلباتها مردودة الى نسبة ثابتة عرفت بالنسبة الفاضلة، فمثلاً الالف شكل مركب في خط منتصب يجب أن يكون مستقيماً غير مائل الى استلقاء ولا انكباب والباء شكل مركب من خطين منتصب ومنسطح وهذا الحرف وما يجري مجراه من يمنه الى يسره والجيم شكل مركب من خطين منكب ونصف دائرة وقطرها مساو للألف واعتبار صحتها أن نخط عن يمينها وشمالها خطين فلا تنقص عنهما شيئاً يسيراً ولا تخرج وحرفي الحاء والخاء في معنى الجيم وهكذا بالنسبه لجميع الحروف.
وكانت الطفرة الثانية في الخط العربي على يد ابن البواب المتوفي عام 423 هج أي بعد ما يقارب القرن والنصف من زمن ابن مقلة والبغدادي ابن البواب هو علي بن هلال بغدادي اشتهر باسم علاء الدين بن البواب وكني بأبي الحسن وكان أبوه يعرف بابن سري وكان بواباً أثناء فترة النفوذ البويهي ببغداد وكان ابن البواب يحفظ القرآن الكريم وأخذ الخط في حداثته من محمد بن أسد ثم جمع خطوط بن مقلة في النسخ والثلث اللذين قلبهما من الخط الكوفي وهذبها ونقحها وصححها وروجها فاستقام بفضله أسلوب ابن مقلة في كل الوجوه وخلد اسمه ونال شهرة عظيمة باقية الى يوم الدين حتى أطلق على ابن مقلة الناقل الاول ولقد نشأ ابن البواب محباً لفن الخط العربي كونه في شبابه كان مزوقاً يشتغل بتصوير الدور والكتب والدواوين وكان ذلك اساًساً لعشقه فن الخط العربي ونبوغه فيه بعد أن أتقن قاعدة ابن مقلة ثم جودها وحسنها وأبدع في أوضاع الحروف العربية وأبعادها ومن أعظم أعماله وسبب شهرته انه أكمل اسلوب الكتابة الذي أبتدأه الوزير بن مقلة.
وابن البواب كان فناناً بالفطرة وله نظرة فنية ويظهر ذلك من حركة خطوط الاقواس التي أنشأها كما انه نظم قصيدة رائية ضمنها قواعد الخط التي مطلعها:
يا من يريد اجازة التحرير
ويروم حسن الخط والتصوير
لذلك يمكن القول انه أرسى قواعد الخط العربي وهذب حروفه وأجاد في تراكيب السطور وبقيت قاعدته ثابتة الى يومنا هذا بحيث لم يصل الى مرتبته أحد حتى ظهر المستعصمي .
وكانت المرحله الثالثة للمدرسة البغدادية هي مرحلة المستعصمي الذي عاصر جزءا قليلا من نهاية الدولة العباسية وبعد دخول هولاكو الى بغداد فقد عاش مدة تزيد على أربعين سنة في الدولة الأيلخانية المغولية حيث توفي عام 698 هج هو أبو الدر وأبو المجد قبلة الكتاب جمال الدين ياقوت المستعصمي الرومي الكاتب اشتراه الخليفة العباسي الاخير المستعصم واليه ينسب ونشأ في دار الخلافة واعتنى بتعليمه فنون الخط العلامة الاديب الخطاط العالم الموسيقي صفي الدين الارموي البغدادي أحد فقهاء المدرسة المستنصرية وواحد من أربعة علماء موسيقى في تاريخ بغداد الموسيقي وياقوت عشق الخط في صباه وبلغ غاية في حسن الخط ثم جود خطه على فخر الدولة الاسرائيلي كما درس الادب واللغة على الشيخ نجم الدين عبد السلام ابن الكبوش الشاعر البصري وكان ياقوت قد ضبط تحرير القواعد الفنية للخط العربي ففاق ابن البواب حتى لقب بقبلة الكتاب وقد أخذ عنه الخط أبناء الاكابر في بغداد ومنهم مظفر الدين ابن الجويني صاحب الديون ببغداد وشرف الدين هارون زوج رابعة حفيدة الخليفة المستعصم وأبو المعالي نجل المؤرخ البغدادي ابن الفوطي وكان ياقوت خازناً بدار الكتب في المستنصرية التي أفاد منها كثيراً حتى بلغ المرتبة العليا بالخط وبرع في تجويد الخط وهذب أوضاع الحروف وحور في انكباب واستلقاء بعضها حتى ذاع صيته وانتشرت طريقته في الخط وعرفت باسمه وباسم الطريقة البغدادية أو القاعدة البغدادية والتي ما تزال الى يومنا هذا تمتاز بخصائصها عن المدرسة العثمانية التي أعقبتها. وبلغ الامر ان الناس اذا أستحسنوا خطاً قالوا هذا خط ياقوت وصارت مدرسة بغداد الخطية هي السائدة في العالم الاسلامي حتى قال فيه شمس الدين سامي صاحب كتاب قاموس الاعلام : ان في يده سراً من أسرار الله وكان ياقوت المستعصمي يكتب على طريقة ابن البواب الخطاط الا انه قطع رأس قصب الطيب أي الريشة بصورة مائلة ونتيجة لذلك كان خطه رفيعاً من جهة وغليظاً من جهة أخرى وبهذا أصبح أكثر اناقة وكان لياقوت ذوق رفيع في الادب والشعر اضافة الى تفوقه في تحرير الخطوط وتجويدها ومن شعره في المديح :
الحمد لله قد مضى الترح
وقد أتانا السرور والفرح
وجاء صرف الزمان معتذراً
فكل ذنب جناه مطرح
آنست بغداد بعد وحشتها
فصدرها باللقاء منشرح
ومن بديع شعره:
أتعتقدون ان الملك يدوم
وان العيش في الدنيا يدوم
وقوله: تجدد الشمس شوقي كلما طلعت
الى محياك يا سمعي ويا بصري
توفي ياقوت عام 698 هج.

About alzawraapaper

مدير الموقع