ما أحلى روح التسامح

سعد محسن خليل

سعد محسن خليل

في زمن انعدمت فيه روح الفكاهة والضحك والابتسامة وحلت محلها مشاعر الكآبة والبكاء على اطلال الماضي .. في زمن انعدمت فيه صور البطولة وحلت محلها نداءات كاذبة لاعادة امجاد الماضي لحاضر مثقل بالهموم والنكبات ما احوجنا اليوم الى العودة الى روح النوادر والطرائف التي تعودنا سماعها في مجالسنا من مواطنين عاشوا تلك الفترة او سمعوا اطراف حديث عنها .. من اجل ان نخفف من قساوة واقع الحياة الاجتماعية هذه النوادر تعيد لاذهاننا كيف كان يتعامل الرئيس مع المرؤس وما احوجنا اليوم الى جمعها لتكون دروسا للحكام في كيفية التعامل مع المجتمع المحيط بهم بعفوية وانسانية للمحافظة عليها من الاندثار ولتكون برنامج عمل لعودة الروح للمجتمع .. ومن الحكايات الطريفة التي تدلل على روح التسامح بين المسؤول وابناء شعبه ماحدث من سجال بين رئيس الوزراء في عهد النظام الملكي توفيق السويدي والشاعر الكبير معروف الرصافي يقال ان خصومة وقعت بين رئيس الوزراء وبين الشاعر الرصافي وقد عمد اصدقاء الطرفين الى مصالحتهما فاقام احد المقربين منهما من ذوي الجاه وليمة كبيرة دعا اليها الطرفين مع كبار الشخصيات البغدادية وفي اثناء الجلسة وتبادل الاحاديث قال احد المدعوين مخاطبا السويدي عن قصد « معالي الوزير شلون حال الدنيا وياك» فرد عليه السويدي غامزا « الدنيا موخوش دنيا .. بس المهم الواحد يسوي معروف ويشمره بالشط» ونطق مفردة «معروف» بصوت عال بحيث سمعها الشاعر الرصافي .. فادرك الرصافي انه المعني بهذا الكلام وان السويدي يستفزه قاصدا، فبلعها الرصافي وسكت واجبر نفسه على عدم الرد لانه في وليمة صلح ولكن فجاة التفت الشخص نفسه ووجه السؤال ذاته الى الرصافي قائلا له «افندينا انته شلون حال الدنيا وياك» فما كان من الرصافي الا ان يقتنص الفرصة فعدل سدارته واجاب باسترخاء «عمي الدنيا خوش دنيا .. بس توفيقنا طايح حظه» في اشاره الى توفيق السويدي .. ولم ينزعج رئيس الوزراء ولم ينفعل بل تقبل كلام الرصافي بروح من المرح والفكاهة ومن الحكايات الاخرى التي تدلل على روح التسامح ورجاحة عقل السياسي ما حدث لرئيس الوزراء نوري سعيد الذي اشتهر بحب الاختلاط مع المواطنين حيث كثيرا ما كان يتجول في الاماكن الشعبية او يجلس في مقاهيها ومن الحكايات التي تروى عن رئيس الوزراء ماحدث منتصف ليلة شتاء عام 1957 عندما كان جالسا الباشا السعيد بمعية مرافقه في احد مقاهي بغداد في شارع غازي حيث انتبه له احد الاشقيائية وكان مخمورا وترنح امام رئيس الوزراء وسأله قائلا «انت نوري سعيد» فاجابه الباشا «متوهم اغاتي» فقال له الشقي المخمور «ابشرفي تشبهه .. العفو اغاتي» لكنه عاد ثانية باتجاه الباشا نوري سعيد وقال له وقد بدت عليه علامات الغضب «لا لا انت نوري سعيد القندرة» ونظر الى سائق الباشا وقال له «وانت صالح جبر قيطانة ..» اتفو عليكم «وبصق بوجههما وعندما اراد مرافق الباشا ردعه وضربه منعه رئيس الوزراء نوري سعيد ومد يده بكل هدوء في جيبه واعطاه مبلغا من المال وغادر المقهى .. وفي السيارة قال له المرافق بحنق وغضب شديد متذمرا «جناب الباشا ليش مخليتني أأدب هذا الادب سز ابن الشارع اللي تطاول على سيادتك» فقال له الباشا بهدوء «ابني هذا سكران وماعليه حرج .. لو انت ضربته وجرجرناه للتوقيف راح يسألونه لك اشسويت .. راح ايكول تفلت بوجه رئيس الوزراء .. ويصير بطل .. أو آني انفضح ..بس هسة راح ايروح وتنتهي القصة» بهذه الروحية يتعامل نوري سعيد مع ابناء شعبه .. لكن هذا الباشا السعيد لم يحالفه الحظ فقد قتل وسحل في شوارع بغداد بعد يوم واحد من توقيع محضر اجتماع مباحثات الاتحاد الهاشمي. كان هذا التحول البداية لدخول العراقيين في صراعات حزبية متنافرة المبادئ والمنهج اوصلت العراق الى الفوضى التي مازالت اثارها ماثلة حتى يومنا هذا تؤشر وجود خلل في تركيبة وبنية المجتمع العراقي والانظمة المتعاقبة على حكم العراق بعد سقوط النظام الملكي الذي كان زعماؤه يتحلون بصفات وقيم نبيلة مازال الموطن العراقي الذي عاصر تلك الفترة يتذكرها بشيء من الفخر والاعتزاز برموزها حيث كانوا يشكلون في تصرفاتهم وعلاقاتهم الاجتماعية مع افراد الشعب تمازج جميل يدلل على بساطتهم.

About alzawraapaper

مدير الموقع