ماذا في (كلاب الروح)؟ في مجموعة ((مشاهدات مجنون في عصر العولمة)) الشعرية لحميد الحريزي

شكر حاجم الصالحي:
(كلاب الروح) واحدة من النصوص التي احتوتها مجموعة السارد (حميد الحريزي) مشاهدات مجنون في عصر العولمة، وقد أثارت انتباهي دون غيرها من نصوص المجموعة، فهي ضاجة بالخيبة تفوح من سطورها آهات الحريزي التي هي آهاتنا جميعاً، وهي تشير الى أواخر كانون الأول / 2010 م تأريخاً لإنتاجها ، بمعنى انها نتاج عراق ما بعد 2003 م بكل إشكالات وضعه وتداعيات أوجاع ابنائه، وهي بمجملها وثيقة صادمة لما آلت إليه الأحوال وانهارت الآمال ، وتلك محنة يكابدها ــ الى الآن ــ حملة العقول النيرة والاقلام الواعية الخيرة ، ولا أخال حميد الحريزي إلا أحد هؤلاء الذين أدركوا منذ وقت بعيد فداحة الواقع واختناقاته وعبّر عن ذلك من خلال ما انتجه من نصوص سردية وشعرية ، وهو في هذا ليس مغرداً خارج سرب المدركين لجسامة التحديات، ممن امتلكوا الوعي والانتماء الحقيقي لقضايا مجتمع أكلته الحروب وآفة الفساد والاستبداد ، ولذا فقد كانت هذه الأوجاع عراقية بامتياز صاغها بصدق في (كلاب الروح) الذي كانت سطوره /ها شهادة أمينة على واقع ينحدر الى اللا أين بإرادة مقصودة لصانعي القرار أو غير مقصودة ، و تلك مصيبة في كلتا الحالتين الفاجعتين :
هائجة كلاب روحي
يستفزها الظلام وقطعان اللصوص
ذوت شرايين القلب
تستنزفها
الجراحْ
تنمرت الثعالب
لم يخفها
نباح الأرواح ص 127.
انها بداية تفصحُ عن واقع يلّفه الظلام وتسود فيه قطعان اللصوص التي دمرت الحرث والنسل فاستنزفت جراحها كل شرايين القلب التي ذوت بعد ان تنمرّت ثعالب الزمن (2010) ولم تعد تخاف أصوات المناهضين المطالبين بابسط حقوق العيش الكريم ، ولا أشك ان خيبة حميد الحريزي ليست قليلة بما تحقق في الزمن الذي رحبّ به البعض واستبشر بتفوهاتهم في التسويق الاعلامي والانتخابي ، وكانت تلك الحقائق الصادمة اشارة واضحة على نهج تسلطي هدفه الاستحواذ على المال والسلطة والقطيع الذي مازال مصدقاً بالوعود الزائفة ، ثم أليس أغلبيتنا من صفّق وهزج للقادمين الذين ( حررونا ) من الأمان والكرامة والاستقرار , رغم سوءات الزمن الغابر ، فهل انقلب السحر على الساحر وتنكرنا لمواقفنا المنفعلة تلك ؟
وفي مقطع آخر يشير حميد الحريزي الى:
الديكة / ختنوا أعرافها / أمروها / أن تبيض / فقدت / اصواتها / في بلدان السلاطين /
.. القمر / يموت نزفاً / بين فكي حوت / يهزج له الجمهور / كي يسرع / في ازدراده /
لتمرح / الخفافيش / … ص128
وهنا أسال صديقي الحريزي وهو العارف بما أعنيه ، من الذي ختن أعراف الديكة وأمرها ان تبيض ومن هي هذه الديكة التي فقدت اصواتها وسلّمت أمرها لمن يصيح بدلاً عنها ؟ ثم ألا يرى الحريزي ان هذه الديكة ( ديكته ) قد فقدت بوصلتها وادارت ظهرها لمن أحب صوتها الصادح ولونها الجميل، وتركته نهباً لظروف طالما انتقدها وأدان صمتها وفسادها ، ثم أين فسحة الأمل التي يترقبها المحبّون بعد كل هذا الانحدار الغريب والصمت المريب ازاء ما يجري في المواخير والاروقة المظلمة ، وهل من المنطقي أن يسلّم (الديك) الأصيل رقبته لسكين احترف مهنة الذبح ؟ كلها أسئلة فرضتها طبيعة (كلاب الروح) ونصوصه / ها المشحونة بالسواد والخوف من الآتي :
تنتحر
الزهورُ
حين يكون سمادها
عظام
أطفال
سلبهم الجوع زهرة
الحياة …….130
وبعد كل هذه الأوجاع أقول لأخي الحريزي ما هذا الرسم المتعسف للنص أمن أجل ملء بياض الورقة أم لزيادة صفحات المطبوع وما الذي يتغيّر لو ان هذا المقطع وسواه كتب بالطريقة المألوفة هكذا ؟
تنتحر الزهور حين يكون سمادها عظام أطفال سلبهم الجوع زهرة الحياة .
وأخـيراً لابد من الاشارة الى ان مشاعر الحريزي كانت هي الطاغية لأنها نابعة من قلب (عاشق قديم) لم يحصد من رحلته غير بياض شعره وكثرة محبيه.

About alzawraapaper

مدير الموقع