ماذا تعني الاستقالة في المفهوم الديمقراطي؟

يحيى الزيدي

يحيى الزيدي

كثر الحديث هذه الأيام في بلادنا عن “الاستقالة”، لاسيما بعد تصاعد وتفاقم الازمة في البلد منذ عدة ايام بعد خروج التظاهرات في العاصمة بغداد وعدة محافظات اخرى، والتي تطالب بـ”الاصلاح السياسي والقضاء على الفساد، وايجاد فرص العمل والتعيين الى الشباب والخريجين، وتوفير الخدمات”، حيث لم تنجح الديمقراطية المزعومة في العراق ما بعد الاحتلال برفع المعاناة عن المواطن، وشهد واقع الحكم، على وجه الخصوص، تعثرا كبيرا في عدة مستويات « السياسية -الامنية – الاقتصادية والخدمات»، وفي مواضع تفوق القدرة على الاحصاء.
بعد الاحتلال الامريكي للعراق عام 2003 حظي العراق بنظام حكم برلماني، يشبه الى حد ما النظام السياسي البريطاني، وينظر بعض الدارسين الى التجربة السياسية العراقية المعاصرة نظرتهم لطفل يحبو قياسا بالتجربة البريطانية، التي تبدو، بحسب اولئك الدارسين، مثل رجل مكتمل النضج والادراك.
يا ترى هل السر يكمن في طبيعة الشعوب أو في دخول التجربة الديمقراطية، أو ماذا ؟
لنقف قليلا عند الديمقراطية التي تعني حكومة الشعب، أو سلطة الشعب، فالشعب بالمفهوم الديمقراطي يحكم نفسه بنفسه، فهو الذي يختار الحكومة، وشكل الحكم، وهو مصدر السلطات في الدولة، والنظم السائدة في الدولة “السياسية منها والاقتصادية والاجتماعية “، بمعنى أن الشعب هو أساس الحكم، وأساس السلطات في الدولة، وهو مصدر القانون الذي تخضع له الدولة .
بالعودة الى مفهوم “ الاستقالة “ .. وهي تعني طلب الإعفاء من المنصب، تركه، اعتزاله، التنازل عنه، فإن الاستقالة في النظم السياسية الديمقراطية هي ظاهرة صحية وشائعة، وذات بعد إيجابي، ولكنها في النظم الدكتاتورية نادرة الحدوث، وذات بعد سلبي في حال حدوثها، وغالبا ما يحل مفهوم “الإقالة” محل مفهوم “الاستقالة” في النظم الدكتاتورية.
وفي الحقيقة ان موقف السياسي او الاداري المستقيل من منصب مهم يستحق التقدير، لانه انتصر على ذاته، بغض النظر عما قدمه، من نجاح او فشل، والامر متروك لأصحاب الشأن لتقييم ذلك .
وقبل ثلاثة أيام، استقال رئيس الوزراء اللبناني، سعد الحريري، وذلك على خلفية استمرار التظاهرات في بلاده، والمطالبة بالقضاء على الفساد واصلاح الوضع الاقتصادي والمعيشي للبلد وللمواطن .
أن يستقيل سياسي كبير، او صاحب منصب رفيع احتجاجا على خطأ، أو اعترافا بخطأ، او فشل سياسي، هو أمر مستحسن في الديمقراطية، لان اتخاذ قرار الاستقالة يحتاج عادة الى شجاعة ذاتية، لا تتوفر لدى الغالبية العظمى من السياسيين.
وتتجلى اهمية الاستقالة، وتزداد تألقا وسطوعا حينما تكون سببا مباشرا في احراز مصلحة عامة او درء خسارة عامة.
إنّ الاستقالة من المنصب، مهما كانت مكانته مرموقة أو من الوظيفة او ترك العمل، ليس بالشيء الهيّن بالتأكيد، وقد يؤدي ذلك إلى الإيقاع في مأزق سياسي أو اداري أو مالي كبير، كما يمكن أن يكون الأمر نفسيا، الشيء الذي قد لا تشعر به إلّا عندما تجلس أمام مسؤولك بالفعل لتستقيل من الوظيفة.
إن الوسيلة الوحيدة لاتخاذ القرار الصحيح هو الاعتراف بالقرار الخاطئ.
يقول علي الوردي « ان كل فجوة نفسية بين الحاكم والمحكوم تؤدي حتما الى الثورة ما لم تستأصل في وقت قريب»، وما حصل حاليا في بلادنا من احتجاجات شعبية دليل ذلك.
بالقوة يمكنك الجلوس على كرسي الحكم، لكن لا يمكنك البقاء طويلا.. كان السياسي البارز والزعيم الروحي للهند «غاندي» خلال حركة استقلال الهند، كان مقاوما للاستبداد من خلال العصيان المدني السلمي الشامل، والذي أدى إلى استقلال الهند .
وقاد غاندي حملات وطنية لتخفيف حدة الفقر، وزيادة حقوق المرأة، وبناء وئام ديني ووطني، ووضع حدا للنبذ، وزيادة الاعتماد على الذات اقتصاديا.. قبل كل شيء، كان يهدف إلى تحقيق استقلال الهند من السيطرة الأجنبية، ونجح في ذلك.
يقول سيدنا الامام علي (عليه السلام):
أموالنا لـذوي الميراث نجـمعُها
ودورنا لخراب الدهر نبنيهـــــا
أين الملوك التي كانت مسلطـنةً
حتى سقاها بكأس الموت ساقيها
إن ما يحتاجه العراق في هذه الفترة ليس تقديم استقالات سياسية شخصية فقط، بل يحتاج الى اعادة بناء استراتيجية جديدة للبلد، تتوافق مع الديمقراطية، واعادة تدقيق للمواقع الوظيفية العامة والخاصة المترهلة، واخراجها من نطاق المحاصصة، والتركيز على تفعيل المواقع المهمة في البلد والحيلولة دون تداخل الصلاحيات والسلطات بالتزامن مع اشاعة التفكير الجماعي في العمل المؤسساتي، من أجل قطع الطريق أمام محاولات بعض السياسيين استغلال ما بحوزتهم من «حصص» الصلاحيات والسلطات.

About alzawraapaper

مدير الموقع