« لم تعد كما كانت »..المجموعة القصصية لدعاء البطراوي استكشاف لنفوس تعيش حياتها بقلق

أحمد فاضل
تتكون مجموعة قصص الكاتبة المصرية دعاء البطراوي « لم تعد كما كانت « ، من نبضين متناقضين ، لكنهما متكاملين ، أحدهما نحو الإيجاز ، والصغر ، والآخر نحو التوسع والتضخيم والإثراء ، والكاتب منا عندما يمارس الكتابة بشكل أدق ، ينتج خيالاً أكثر اختصاراً وأكثر تجريداً ، أما البعض الآخر ، فإنهم يجربون إلى ما لا نهاية بعد أن وجدوا لأصواتهم المكانة المرجوة لها ، فقاموا بتطوير قدراتهم بواقعية لاحتوائها ، راضون بالعمل في نفس التقاليد تقريباً طوال حياتهم المهنية .
وبمثل معاصريها من الكُتاب الموهوبين وعدد قليل من الآخرين ، تكتب دعاء قصصاً ذات كثافة – أخلاقية وعاطفية – وخيال يقترب كثيراً من الحقيقة ، وبإيقاعات طبيعية للكلام من خلال خطاب سردي أكثر دقة وليس مكرراً ، إنها مخلصة لخطوط الأسطورة المحلية والحكايات الطويلة والحكايات والذكريات العائلية ، موادها واقعية دائماً تقريباً ، وتتصرف شخصيات قصصها بشكل عام ، مثل الأشخاص الحقيقيين ، أي أنهم يفاجئوننا في كل منعطف دون انتهاك الاحتمال ، إنهم يشبهون أنفسنا لدرجة أن القراءة عنهم في بعض الأحيان محفوفة بالمخاطر عاطفياً ، في حين أن الأدب التجريبي الجمالي ، نادراً ما يحركنا بالطريقة التي يحركنا بها هذا النوع من الأدب .
ومنذ فوزها بالمركز الثاني في مسابقة أدب الثورة لقصر ثقافة دمياط عام 2012 ، بدأت حياتها المهنية بالانطلاق فكتبت الكثير من القصص القصيرة التي تم نشرها في عديد الصحف والمجلات
المصرية والعربية ، وهذه المجموعة الجديدة تركز دعاء من خلالها على قصص قصيرة تستكشف حياة الناس ، ولكن بشكل خاص النساء مثل قصصها « مواجهة « ، « حذاء نظيف « ، شعرة وحيدة بيضاء « ، الملاحظ خلالها انتقالها لأماكن متفرقة مما يجمعها وشخصياتها المروية بعناية ، ومع أن أسلوبها الخيالي لم يتغير كثيراً ، إلا أننا يمكن اعتباره خيال متفرد كما في قصة « سجن « ، ولأن المجموعة القصصية القصيرة « لم تعد كما كانت « تتعامل بصراحة ودون عاطفة مع موضوعات المرأة في تقلباتها المعيشية والنفسية ، وخداع الذات ، وتأثيراتها عليها والحيرة حول طرق المصير التي لا يمكن تفسيرها بسهولة ، كما في « كان هنا « ، التي ستفاجئ القارئ أن « الملائمة « في جوهرها أقل فعل عنف مثير من رد فعل المرأة كما في « خلف الباب الموصد « ، وتستمر دعاء في تصاعد سردياتها ، وعندما نتوقف أما قصتها « خربشات « نجدها كوميدية مأساوية أو ( كوميديا مأساوية ) لشابة طموحة تدعى « سلمى « تعيش إرهاباً من نوع خاص في شبابها ، من قبل سلوك غريب لصديق والدها المدعو سلطان ، غير المتوازن عاطفياً والذي كان يوصلها يوميا بمركبته الصغيرة ، فيقوم بالتحرش بها ، لكنها تقاومه وتترك آثار أظافرها على وجهه ، كانت تلك هي الطريقة التي رأت فيها سلمى أن تترك ألمها وراءها ، في محاولة منها لإخبار والدها بما حصل ، لكنها تتفاجئ به هو الآخر يحاول ومن خلال الهاتف الاعتذار من زوجة صديقه « المخربش « :
« وعندما فتحت الباب عليه عـلـى آخـره … لـمـحـت خـربـشـات تـعـرفـھـا بـطـول ذراع والـدھا !
ھـزت رأسـھـا مـسـتـنـكـرة .. فـتـلك الـخربـشـات تـعیـد عـلـیـھا نـفـس
المشهد !
شعرت بثـقـل الكلمات على لسانھا ، تحاملت على نفسھا ، و سألت والدھا عن سبب تلك الخربشات ، أجاب متلعـثما :
– إنها القطة !
في واحدة من أروع قصص المجموعة ، « بعثرة روح « تحيلنا الكاتبة إلى موضوعة الانكسارات والفشل ، وقساوة الأب لشاب يدعى « آدم « وكيف تنتهي حياته نتيجة لتلك الانكسارات العاطفية والنفسية ، هذه القصص وغيرها هي دراسة لأحوال الناس – خاصة المرأة – تم تسجيلها وفق تقنيات كتابة القصة القصيرة الحديثة ، وهي تحمل في دواخلها وسائل لإيماءات الآخرين ، من لوعة وحرمان ، وشفقة وانقياد .
« لم تعد كما كانت « هي حجم من الصدق الذي لا يتزعزع ، لا هوادة فيه في تشريحها للطرق التي نخدع أنفسنا بها باسم الحب ، أو بأسماء أخرى قاتمة ، رؤيتها تثريها عين وأذن المؤلفة الرائعة
التي تتشابك في سردية تحاورية مع الذات المنطلقة نحو حاضر مفرح أحياناً ، ومحزن على الأغلب ، وقد وجدت أنها دائما ما تهتم بالحاضر والمتغيرات في المواقف الاجتماعية في نسيج الثقافة التي تحيط بحياة الناس .
دعاء البطراوي تجلب عمقاً حقيقياً لكتاباتها أيضاً ، وبالتالي فإن المجموعة القصصية مليئة بالأقوال المأثورة – لا أحد يقرأ قصة هنا إنما يتعرف لتجارب نمر بها دائماً – ، لذا فإن كل واحدة من هذه القصص أكثر غرابة من غيرها ، وهي تعلن لصوت جديد لا ينسى في القصة العربية الجديدة .

About alzawraapaper

مدير الموقع