للمرة الأولى في تاريخ السلطنة … سلطان عمان يصدر مرسوما بتعيين ولي للعهد

مسقط/متابعة الزوراء:
خطت سلطنة عمان خطوة واسعة في تثبيت آلية انتقال السلطة، وأصدر السلطان هيثم بن طارق آل سعيد مرسوما بشأن آلية تعيين ولي العهد، وهي المرة الأولى في تاريخ السلطنة التي يتم فيها اتخاذ إجراء من هذا النوع خارج نظام الوصية.
ووفق وكالة الأنباء العمانية الرسمية، “أصدر سلطان البلاد هيثم بن طارق، مرسومين بنظام أساسي جديد للدولة، وقانون مجلس عُمان، وذلك تلبية لمتطلبات ‎السلطنة في المرحلة القادمة”.
ويتضمن مرسوم النظام الأساسي للسلطنة “وضع آلية محددة ومستقرة لانتقال ولاية الحكم في ‎السلطنة، ووضع آلية ‎تعيين ولي العهد، وبيان مهامه واختصاصاته، والتأكيد على مبدأ سيادة القانون واستقلال القضاء كأساس للحكم”.
ويستند نظام الوصية إلى المذهب الإباضي الذي يعتمد بدوره الوصية التي يتركها الحاكم لأهل الحل والعقد وتعود إلى سابقة “الشيخين” الخليفة الأول أبي بكر الصديق والخليفة الثاني عمر بن الخطاب اللذين أوصيا أهل الحل والعقد بتعيين من يتولى الخلافة من بعدهما بعد الاتفاق. وتتبع السلطنة المذهب الإباضي الذي يعتبر أن الوصية للأقربين واجبة قبل الموت.
ويعرف القانون الأساسي لنظام الحكم في سلطنة عمان وفق المادة 5 بأنه “سلطاني وراثي في الذكور من ذرية السيد تركي بن سعيد بن سلطان، ويشترط في من يختار لولاية الحكم من بينهم أن يكون مسلما رشيدا عاقلا وابنا شرعيا لأبوين عمانيين مسلمين”.
ويشير التعديل الجريء للقانون الأساسي أن السلطان هيثم بن طارق حصل على توافق من أئمة المذهب بخصوص تثبيت آلية انتقال الحكم لتجنب مرحلة الغموض التي عاصرت حكم السلطان الراحل قابوس بن سعيد الذي لم يكن لديه أبناء.
لكن الحديث عن ولي العهد وصلاحياته يفتح الباب أيضا للتقليل من مركزية الحكم في السلطنة، وهي الميزة التي شكلت السلطة في عمان طوال عهد السلطان الراحل قابوس.
ولم يبين المرسوم السلطاني طبيعة آليات انتقال ولاية الحكم أو تعيين ولي العهد في البلاد، لكنه أشار إليها كمرفق ينتظر نشره.
وتولى السلطان هيثم السلطة قبل نحو عام بعد وفاة السلطان قابوس الذي لم يسم وريثًا للعرش، لكنه كتب اسم من يفضل أن يخلفه في ظرف مغلق يفتح بعد وفاته.
ويرى مختصون في الشأن العماني أن قرار اختيار ولي العهد يعود إلى ظروف موضوعية صار فيها من الصعب على السلطان أن يؤدي كل المهام بنفسه، فضلا عن رغبة السلطان هيثم في توسيع دائرة المشاركة في القرار ولو بشكل تدريجي.
وأوضح سالم بن حمد الجهوري، الصحفي والباحث في الشؤون الدولية، أن استحداث منصب ولي العهد يعد ذا أهمية غير عادية خاصة للداخل والخارج، ويعطي المزيد من الوضوح في انتقال أكثر أمانا للسلطة بين أسرة آل بوسعيد التي تحكم عمان كأطول الأسر الحاكمة في العالم.
واعتبر الجهوري ، أن هذه الخطوة “تهدف إلى طمأنة الداخل والخارج في مسار السلطنة ومعرفة من سيرث رأس الحكم في عمان بوقت مبكر، وهو ما سيسهل أمر الانتقال السلس دون توقع حدوث أي مفاجآت”.
ولم يستبعد أن يكون هذا الأمر قد تم بمشاركة العائلة المالكة في اتخاذ القرار، وأن هناك تنسيقا بين أفرادها لإقرار منصب ولي للعهد يتم اختياره عبر آلية معينة.
ويعتبر أحمد الشيزاوي، المحلل السياسي العماني، أن غياب منصب ولي عهد جعل المرحلة الماضية تعيش الكثير من التساؤلات من قبل المراقبين الدوليين ونوعا من القلق الشعبي على استقرار المراحل التي تأتي بعد وفاة كل سلطان.
وقال الشيزاوي، إن المرسوم “هو تطوير لبنود النظام الأساسي للسلطنة، والذي أعد في عام 1996، وليس تعيين ولي عهد بالاسم، فنص المرسوم يركز أولا على وضع آلية مستقرة ومحددة لانتقال الحكم ولكيفية تعيين ولي عهد مشروطا أيضا بمهامه واختصاصاته”.
وأضاف أن ما يجري حاليا هو “تطور ملموس في التقاليد السياسية الموروثة في أسرة الحكم في سلطنة عمان”، مستبعدا أي “اختلاف في ولاية العهد بين الأسرة الحاكمة، وبروز ابني السلطان هيثم في وجهة المشهد الإعلامي في الشهور الماضية ينبئ بأن الابن الأكبر للسلطان هيثم السيد ذي يزن، هو أبرز المرشحين لولاية العهد، والذي عينه والده وزيرا للثقافة والرياضة والشباب تأهيلا له وتدرجا في الانخراط في العمل السياسي”.
وقالت إيلانا ديلوجر، الباحثة الكبيرة بمعهد واشنطن، إن القرار الذي أُعلن الاثنين يقلص سلطات السلطان على نحو أكبر.
وأضافت “إنه يشير إلى انتقال حقيقي من إضفاء الطابع الشخصي على السلطة الذي رأيناه في عمان على مدى عقود إلى نموذج أكثر مؤسسية يجري تقاسم السلطة فيه على نطاق أوسع”.
وذكرت أن نص النظام الأساسي الجديد، والذي قد يُنشر الأسبوع المقبل، سيساعد على معرفة المزيد أو “البدء في تخمين من سيكون ولي العهد”.
ولاحظ المتابعون أن المرسوم السلطاني الجديد سعى إلى التأكيد على دور الدولة في تعزيز الحقوق والواجبات والحريات العامة، وكذلك تعزيز الرقابة على المؤسسات، حيث نص على “إنشاء لجنة تابعة للسلطان تتولى متابعة وتقييم أداء الوزراء، ووكلاء الوزارات”، وأفرد نصا لجهاز الرقابة المالية والإدارية للدولة لدعم دوره في تحقيق الحوكمة.
وسن مرسوم منفصل قانونا جديدا للبرلمان، مجلس عمان الذي يتألف من غرفتين. ويتضمن المرسوم “اختصاصات المجلس وشروط العضوية وجميع حقوق وواجبات الأعضاء، إضافة إلى تنظيم كل ما يتعلق بشؤون المجلس”.
وسيكون دور المجلس “إقرار أو تعديل القوانين التي تحيلها الحكومة، واقتراح مشروعات القوانين، ومناقشة خطط التنمية والميزانية العامة للدولة”.
ولفت الشيزاوي إلى أن إيلاء المرسوم السلطاني أهمية لمبدأ استقلال القضاء كأساس للحكم سيكون “صمام الأمان والحصن الحصين الذي يضمن العدالة وحفظ الحقوق بين السلاطين والشعب العماني”.
وخلص إلى أن “المرحلة القادمة مرحلة صعبة للسلطان هيثم، فترجمة رؤية 2040 تحتاج إلى غربلة شاملة للكثير من القوانين والأنظمة الحالية، وكلما كانت هذه الإصلاحات والتعديلات تركز على تعزيز شراكة الحاكم مع المحكوم في المجالس التشريعية والرقابية للسلطنة كانت العدالة والاستقرار والرضى هي المنتصرة دائما”.

About alzawraapaper

مدير الموقع