لكي لا نغادر الدنيا

سامي كاظم فرج

سامي كاظم فرج

ربما كان من بين اهم ما ميز لقاؤنا انا واحد الاصدقاء الذي افترقت معه فترة تناهز العقدين هو جلوسنا في احد المقاهي الحديثة والتي ما اختلفت عن مقاهي ايام زمان غير في ثلاثة اشياء الاول انها اصبحت تسمى بدل (الجايخانة) او (الكهوة) بـ (الكوفي شوب..!!) و الثاني تنوع ما يقدم للزبون.. ففي السابق كان الامر مقتصرا على الشاي و (الحامض) او في حالات نادرة القهوة على الرغم من ان المكان يسمى (بعالي الصوت) (كهوة..!!) .. اما الان فأنهم ومن هذه الاشياء الثلاثة وبنسب متفاوتة وربما القليل من الحليب في بعض الاحيان فباستطاعتهم تجهيزك بسوائل لم ينزل الله بها من سلطان وبأسماء ما حواها المورد ولا مختار الصحاح ولم تمر لا على سيبويه او نفطويه على الاطلاق..!!
اما الثالث وهذا هو الاهم و (مربط الفرس) فهي الاسعار التي لا تستطيع الاعتراض عليها او مناقشتها .. لانك وببساطة كيف يمكنك الاعتراض على سعر (كوكتيل) لم تسمع باسمه من قبل هذا بعد ان شربته واستقر في المعدة واصبح في (خبر كان!!)..
شرب صاحبي (الكابتشينو) التي هي عبارة عن خليط من القهوة والحليب والسكر والماء.. ولا اعرف لماذا جرى تغيير اسم هذه (الخبطة) من (كاكاو) الى هذا الاسم المعقد.. ربما من اجل تعقيد (السعر) على الزبون الذي يقع في الفخ.. بعد ان صفا ذهنه اصر على ان يطلعني على اهم ما تعرض اليه خلال فترة الفراق هذه.. يقول في احدى الايام وبعد ساعات من منتصف الليل ايقظتني زوجتي من النوم وهي في غاية الاضطراب.. وبعد ان رشقت وجهي بقليل من الماء وقراءة ايات من الذكرالحكيم.. اعادت اليّ وعيي.. بعد كل هذا حيث كان اهم ما كانت تسعى اليه هو ان اكون سليما معافى..!!
وبعد ان استعدت رباطة جأشي.. وقبل ان ابدأ بالتمثيل بأني كنت طبيعيا وان ما حدث لا يتعدى كونه كابوسا ثقيلا.. بادرتني بالسؤال: (شبيك تدري صياحك وصل للجيران..؟!.. صار وجهك يخوف .. صاك سنونك وتصيح.. حصة.. حصة.. حصة..!!).
استدركت الحديث معه لانه كان يتحدث بانفعال لايليق بإنسان التقى صديقه بعد فرقة طويلة ولكي لا يزجني بمهمة تفسير الاحلام ثم يلح لمعرفة ما تعنيه (الحصة) في الحلم علما بأنني لا اعرف ما تعنيه (الحصة) في الحقيقة ولكي اخرج عن موضوعه بطريقة لا احسسه بتثاقلي قلت: الاحلام هذه الايام غير واقعية فهي كمن يطلب منك تهيئة المستمسكات لغرض تعيينك وخلال اسبوع ثم يسألك في اي دائرة ترغب التعيين..؟!!
جاء العامل وبيده قائمة الحساب التي وضعها في وسط اناء واذا بها تبلغ 4.500 دينار فما كان من صاحبي إلا ان يصرخ بوجهه (شدعوه… الحصة… الحصة… الحصة التموينية… كسروها وجمعوها ما طلعت اكثر من 15 الف دينار ما تكلي شلون دبرتها الله يخليك..؟!!).
اجابه العامل: عمي هاي كوفي شوب مو حكومة..!!
لاحظت بأن احد الاشخاص رصف سيارته بالقرب من الكافتيريا وترك الباب مفتوحا وبنظرات مريبة تنم عن نية غير”صافية” ثم عبر الشارع وهو مضطرب… قلت لصاحبي: اسرع… اسرع لكي لا تفقد تواصلك مع الحصة والنفط والكهرباء ومع الفساد المالي والاداري ومعي.. لنغادرما يسمى بـ(الكوفي شوب) قبل ان نغادر (الدنيا) باكملها!

About alzawraapaper

مدير الموقع