لكي لا تظل رؤوسنا مدفونة في الرمال

احمد الجنديل

احمد الجنديل

على صفحات تاريخنا المغسولة بالدماء والرماح والسيوف ، وقراءة سريعة لمسيرة المئات من السنين وما رافقها من ازهاق للأرواح ، يقف المرء مكبلاً بالحيرة والدهشة ، وينتصب السؤال كبيرا على شفتيه مستفسرا عن سر التاريخ الدموي الذي توارثناه جيلا بعد جيل .
يطلق المرء بعد كل هذا الركام الهائل من الموت سؤالا بريئا ساذجا : أما آن الأوان أن نستبدل لعبة الموت بلعبة الحياة ؟ أما آن الأوان أن نزيح الرمح الرديني ونضع مكانه باقة من الورد ؟ ألم يحن الوقت باستبدال منظومتنا الفكرية القائمة على الأحقاد والضغائن والدسائس بمنظومة أخرى قوامها الالفة والمحبة والتعاون المشترك ؟
أليس من الغباء التمسك بنهج الدم وكل ما أفرزه هذا النهج من المصائب والويلات التي طالت الجميع ، وما تمخض هذا الدرب المليء بالعثرات الى منهج آخر لم نجربه يوما ؟ لماذا كل هذا الكره للحياة وعبر مسيرة تاريخية استمرت آلاف السنين ؟ لماذا يكون الاعتقاد بأن الحياة لا تخرج الا من رحم الحروب ؟ .
أطفالنا يتعلمون ثقافة الحرب ، والكبار يصفقون الى أطفالهم اذا ما أنشد أحدهم قصيدة لعنترة العبسي وهو يشهر سيفه الملطخ بنزيف الثأر ويحصد الرقاب ، دون ان نعلم أطفالنا يوما قصائد العواطف النقية وشعر النوايا العاشقة للخير .
كنا نسمع من الكبار بأن الرجولة تفقد قيمتها اذا تنصلت من معانقة الخنجر ، وأن الشجاعة تمسخ الى ذل وهوان اذا فارقت الطلقة ، واذا لم تكن ذئبا أكلتك الذئاب ، ووفق هذه الثقافة المدمرة ، خرج الأطفال قابضين على السلاح ، وهرول الرجال وهم يطلقون الرصاص ابتهاجا بالتمسك برجولتهم والمفاخرة بها ، ومع استمرار هذه اللعبة السمجة بقينا ننظر الى الحياة من فوهة البندقية لا من خلال أبواب المعرفة الواسعة ، والسعي الحثيث في مجال العلوم ، وأصبح كل واحد منا يسعى الى استيعاب أخلاق وصفات الذئب وتطبيقها على سلوكه اليومي خوفا من أن تأكله الذئاب فيكون بذلك عاراً على أهله وعشيرته .
من يخاف الاقتراب من التاريخ البعيد ، عليه الاقتراب من التاريخ الحديث ، وينطلق من الحرب الكونية الأولى ويحصي عدد الحروب التي خضناها في عموم المنطقة ، وكم أكلت هذه الحروب من رجالنا وشبابنا وأطفالنا ، وكم خلفت من الأيتام والأرامل والمعاقين .
أتحدث هنا عن تاريخ ، وعن قوم ينتمون الى أرض ولغة ومشتركات ، وعن ضرورة الخروج من طريق الى طريق ، والقفز من حالة الى حالة أخرى ، فالاستمرار في دفن رؤوسنا في التراب لا يمنحنا فرصة الوقوف ، ولا يوصلنا الى قلب الحياة ، ولا يجعلنا نفكر بطريقة تختلف عن تفكير الذئاب ، فالذئاب لا تخلق حياة حرة كريمة ، والسيوف الخارجة من اغماد الحقد والضغينة لا تأكل غير أجساد الجميع .
الى اللقاء .

About alzawraapaper

مدير الموقع