كيف تبدو احتفالات اعياد الميلاد في بغداد هذا العام؟

df74d10251e481c5321bcf508cdbb221 download كيف تبدو احتفالات اعياد الميلاد في بغداد هذا العام؟

آدم تايلور و  اوسكار دوراند   – ترجمة / صباح سالم

تناقلتْ معظم الصحف العالمية والمواقع الاخبارية احتفالات العراق باعياد الميلاد لهذا العام إذ اولت صحيفة الواشنطن بوست اهتماماً بالموضوع عبر التقرير الذي كتبه مراسلها آدم تايلور واصفاً الاحتفالات هذا العام بالرسمية. وقال تايلور: في خطوة لاظهار نوع من التضامن مع الاقلية المسيحية في العراق، قررت السلطات المحلية في بغداد ان تقيم احتفالاً رسمياً لاعياد الميلاد في هذا العام. إذ ان الالعاب النارية تطلق فوق نهر دجلة في بغداد في كل ليلة في هذا الاسبوع، وتلقت مخيمات اللاجئين في المخيمات المحلية زيارات من سانتا كلوز بحسب مراسلي وكالة انباء رويترز. ووضعت شجرة لعيد الميلاد، يقال انها الاكبر من نوعها في الشرق الاوسط، في متنزه ترفيهي وسط المدينة. وتأتي هذه الخطو وسط تزايد المخاوف من ان المسيحيين في الشرق الاوسط يواجهون تهديداً غير مسبوق من المتطرفين الاسلاميين والصراعات الطائفية. وقال الرئيس اوباما في بيان نشر يوم الخميس الماضي، مستشهداً بالفظائع التي ارتكبها التنظيم الارهابيي على المسيحيين في المنطقة “بعد ان كانت اجراس الكنائس تقرع في بعض المناطق في الشرق الاوسط لقرون عديدة احتفاء باعياد الميلاد، فان هذا العام سيشهد صمت هذه الاجراس”.
وتعد الجاليات المسيحية العراقية، التي تتشكل غالبيتها من الاشوريين، من اقدم الجاليات المسيحية في العالم، إذ يعود تأريخها الى قبل نحو 2000 عام. وفي معظم اوقات ذلك التاريح، كان المسيحيون يحظون بعلاقات مسالمة وهانئة مع جيرانهم المسلمين وحكامهم كذلك، وعادة ما يحظون باستثناءات من قوانين الشريعة الاسلامية.
ومع ذلك، وبعد ان فرض تنظيم داعش الارهابي سيطرته عبر شمالي العراق في الاشهر الـ 18 الماضية، فان العديد من المسيحيين العراقيين وجدوا انفسهم امام مخاطر تهديدات بالقتل بسبب ايمانهم وعقيدتهم. ففي تموز 2014، اصدر التنظيم المتطرف امراً يحذر فيه المسيحيين في مدينة الموصل من انهم سيقتلون اذا لم يعلنوا اسلامهم او دفعهم الجزية. وكانت بيوت المسيحيين قد علمت باللون الاحمر واستولى التنظيم على ممتلكاتهم. ولم يفرض هذا التهديد على العراق وحسب. ففي احد مقاطع الفيديو في ليبيا، ظهر مقاتلون موالين لتنظيم داعش الارهابي وهم يقطعون رؤوس مسيحيين.
وتقدم الاسقف بشار وردة من الكنيسة الكاثوليكية الكلدانية بطلب رجاء الى بريطانيا لتقديم حماية عسكرية في مطلع هذا العام، وحذر من ان مستقبل جاليته الدينية على المحك. وقال “نحن لا نملك المزيد من الوقت بعد ان هاجر العديد من المسيحيين من المنطقة”.
وعلى الرغم من ان التهديد من تنظيم داعش الارهابي يبدو جديداً، فان العديد من المسيحيين العراقيين يقولون ان المشاكل التي واجهوها تعود الى اوقات اخرى في الماضي. ففي 2014، كان كبير رجال الدين المسيحيين في العراق قد حذر من ان تنظيم داعش ليس التهديد الاخير او الوحيد للمسيحيين في البلد بعد غزو الولايات المتحدة في 2003 وتركت فيه العراق في حالة من الفوضى. وقال اسقف الكاثوليك الكلدان لويس ساكو “كان هناك نحو مليون مسسيحي في العراق، واصبح اكثر من نصفهم نازحين”. مضيفاً “لم يبق سوى 400 الف في الوقت الذي تستمر فيه حالة النزوح”.
وكان العديد من المسيحيين قد غادروا البلد، الامر الذي قلل عدد المسيحيين في العراق المتناقص في الاساس. وكان عضو البرلمان العراقي عن المسيحيين يونادم كنا قد قال لواشنطن بوست في العام الماضي “ان المجتمع الدولي يشجع المسيحيين على المغادرة وترك العراق. وهو ما يؤدي الى تحطيم المجتمع المسيحي هنا في الداخل”.
وكان اول احتفال رسمي لاعياد الميلاد ورأس السنة الميلادية في بغداد قد عقد في 2008، حينما رعت وزارة الداخلية العراقية الاحتفالات في محاولة لدحر الطائفية. وقال المتحدث الرسمي للوزارة في ذلك الوقت لصحيفة (سي أن أن) “ان جميع العراقيين مسيحيين اليوم!” ومع ذلك، فان العنف الطائفي المتزايد ادى بالمسيحيين العراقيين لالغاء احتفالاتهم في السنة التالية.
وفي مخيمات اللاجئين كانت الصورة مختلفة تماماً. وبحسب التقرير الذي نشره موقع (كاثوليك نيوز سيرفيس) فان هبة داود تتذكر اعياد الميلاد في قرقوش وتصفها على انها كانت احتفالات جميلة للغاية. وكانت الاحتفالات تبدأ قبل ايام عديدة من المناسبة بتحضير الطعام التقليدي والحلويات. وكانت العوائل تحتفل حول شجرة عيد ميلاد كبيرة. وفي ليلة عيد الميلاد كانت العائلة واصدقاؤها يتجمعون للاستمتاع بتناول الطعام وقضاء الوقت معاً، يتبادلون اطراف الحديث ويلعبون مع الاطفال الاخرين. وسيكون هذا العام هو عيد الميلاد الثاني الذي ستقضي فيه هبة داود العيد بعيداً عن منزلها ومدينتها، خلافاً لأمنياتها. وفي آب 2014، تمكن مسلحو داعش من السيطرة على قرقوش، المدينة التي تقع جنوب شرقي الموصل. وتسببت هجمات داعش الارهابي على شمالي العراق بنزوح اكثر من 120 الف مسيحي، بالاضافة الى الاقليات المسلمة والايزيديين. اما اليوم فان العديد من هؤلاء الناس يعيشون في اربيل عاصمة كردستان العراق.
وفي الاسابيع الاولى عاش النازحون في الخيام والملاجئ المؤقتة في المتنزهات والكنائس. اما اليوم في عينكاوا، المدينة المسيحية المجاورة لاربيل، فان هناك ثماني مخيمات حيث يعيش النازحون في كرافانات صنعت محلياً. والعديد منهم استأجروا شققاً او يعيشون مع اصدقائهم وعوائل في مناطق اخرى من العراق.
ومن بين النازحين كانت الاخت ديانا موميكا، احد الاخوات من اعضاء كنيسة الدومنيكان في سانت كاثرين سينا. وكان هذه الاخت تطلق على الموصل مدينتها الام. وحينما تمكن عناصر داعش من السيطرة على الموصل في حزيران 2014، هربت الاخت موميكا و73 من الاخوات الاخريات من سهل نينوى الى قرقوش ومن ثم نزحن مرة اخرى في آب من العام نفسه.
وقالت الاخت موميكا “حينما تترك منزلك ومدينتك فانك ستترك وراءك كرامتك وكبرياءك. وستترك تقاليدك، وازياءك وكنائسك ومجتمعك”.
اما اليوم فان العنف في شمالي العراقي يستمر من دون وجود اي حل يلوح في الافق. ويسأل العديد انفسهم اذا ما كان ممكناً الاحتفال في المناسبات بعد خسارتهم لجميع مقتنياتهم واجبارهم على الخروج من منازلهم وارض اجدادهم.
وقالت نبيلة سالم عن عيد الميلاد بينما كانت تحمل ابنتها بعمر عامين اثنين فقط وتدعى مارفين “سيكون يوماً عادياً مثل اي يوم اخر، على الرغم من اننا سنحتفل به من اجل طفلتنا”. وكانت سالم قد هربت ايضاً من تنظيم داعش، في البداية هربت من الموصل ومن ثم هربت من قرقوش. وتعيش في آشتي 2، مخيم للنازحين المسيحيين في عينكاوا.
ويبدو ان الكرافات او الحاويات مصممة لثلاثة اشخاص فقط، ولكنه امر شائع ان نرى عوائل من خمسة افراد تعيش فيها، او سبعة او حتى من هذا العدد يشغلون هذه الكرافانات بسبب عدم وجود بديل.
وتعيش سالم على بعد 10 دقائق في السيارة من المخيم، ويعيش في المخيم نحو 220 عائلة على ارض ملعب سابق للالعاب الرياضية وتحول ليكون مخيماً للاجئين. وكتذكار لاستعماله السابق، فان هناك حوض سباحة بقي متروكاً في المنتصف. ويستعمل الاهالي هنا حمامات مشتركة.
وقالت الاخت ميموكا انها تعتقد في الوقت الذي تكون فيه الظروف المعيشية صعبة، فمن الممكن ان نحتفل بعيد الميلاد. وفي الوقت الذي تكون فيه الاجزاء الاخرى من العالم تحتفل باعياد الميلاد وتزيين الاشجار والمحال التجارية، فان نزوحهم جعل المسيحيين العراقيين يركزون على شيء آخر.
وقالت الاخت ميموكا “نحن لا نهمل الحقيقة التي تقول على الرغم من وجود تنظيم داعش وكل الصعاب والمآسي الاخرى، فان السيد المسيح يقول ان قادم لانقاذكم. وبالنسبة لنا فان عيد الميلاد يقع في منتصف المعاناة وان ولادة السيد المسيح في قلوبنا باقية”.

About alzawraapaper

مدير الموقع