كل عام وأنت بخير يا عراق

أحمد الجنديل

أحمد الجنديل

انتهت أيام العيد وما زالت بغداد تنثر عطرها على الجميع.. من أين ابدأ ، وكل ما فيكِ جميل رغم جراحكِ يا بغداد ؟ منْ يرسم لي نقطة البداية لمناجاة جوهرة المدن ، وتاج الحضارة، وحاضنة المعرفة ؟ الشمس منطفئة إن لم تخرج من خاصرتك يا سيدة العشق المعتق بالخير ، والقمر يتيم إن لم يبزغ من جبينكِ يا كعبة المعرفة ، ولأنكِ الحسناء الفاتنة التي لا يضاهيها أحد في السخاء والعطاء ، فقد كنتِ على الدوام محطّ أنظار الغزاة الطامعين من كل أرجاء الكون، وكلما جُردت السيوف من أغمادها لتستقر في صدركِ، تخرجين كحورية البحر ، نقية النفس ، طاهرة السجايا، نبيلة الخُلق ، فترتد السيوف خائبة ذليلة ، وتظلين واحة الله التي تمد الكون بشذى المحبة والسلام .
من أين ابدأ يا بغداد ؟ ، وهذا علي ابن الجهم يبحث عن عيون المها بين رصافتك والجسر العتيق ، فلا يرى غير جراحكِ، وهذا الصاحب بن عباد يحث خطاه نحوكِ ، وابن زريق البغدادي يلقي شعره بين يديكِ ، وأنتِ يا ملهمة الشعراء والفنانين والعلماء والفلاسفة تنشجين من كثرة الحراب المغروسة في قلبكِ الرحيم .
المعري يدق بابك وهو يشارككِ الأسى ، وأبو تمام ينثر درره ويشاطركِ النشيج ، والبحتري ينزع رأسه ليضعه أمام هيبتكِ ، وأبو نواس يمسك كأسه على ضفافكِ ، والعباس ابن الأحنف يهمس بغزله إليك ، فما أكثر خوفنا عليك ؟ وما اشد خجلنا منك ؟ الزهاوي والرصافي والجواهري قادمون إليك، والسياب والملائكة والبياتي يؤدون صلاتهم في محرابكِ، فانهضي يا سيدة المدن ، مدّي يديكِ لاستقبالهم ، ابتسمي في وجه جواد سليم ، أنثري محبتكِ على رافع الناصري ، وفائق حسن ، ومحمد غني حكمت ، استمعي إلى صوت القبانجي ، واطربي على صوت فيروز ، وصفقي لأم كلثوم وهي تصدح بالغناء لكِ ، العلماء احتشدوا أمام بابكِ الواسع ، والشعراء نهلوا قوافيهم من بحيرة قافيتكِ العذبة ، والأطفال يرددون أناشيدهم في حضرتكِ ، فقومي لهم سيدتي ، اخلعي عن روحكِ هذا الوجع الذي أدمى قلوبنا ، وأرقّ ليالينا ، وأغرقنا في بحر الهزيمة والأحزان .
امسحي عن وجهكِ غبار الحزن سيدتي ، اصرخي في وجوه من كان سبباً في فجيعتكِ ، ولتكن صرختكِ عراقية خالصة ، نريد صوتكِ صوتاً عراقياً متميزاً من منبعه وحتى مصبه، ليخرج الأطفال حاملين باقات زهورهم لينثروها على وجهكِ المشرق الوضاء ، لتصدح الحناجر بحبكِ ، وهي ترتل أناشيد العشق والوفاء ، ولنقف جميعاً على ضفافكِ ، وشواطئكِ ، وشوارعكِ ، نردد جميعاً : كل عام وأنتِ بخير يا بغداد .
إلى اللقاء .

About alzawraapaper

مدير الموقع