كرونوتوبيا العنف في رواية « مقتل بائع الكتب»

حوراء شهيد حسين
هناك ثمة علاقة وطيدة بين التفضية والتزمين في التشكيل السردي الروائي، والوقائع الخارجية، وهذا ما حدا بالناقد الروسي «ميخائيل باختين» في تقديم مصطلح نقدي يحول دون التفريق بينهما وهو(الكرونوتوب)، وأنَّ رواية مثل (مقتل بائع الكتب) للروائي العراقي «سعد محمد رحيم» قامت أعمدتها على القتل والاغتيالات، والخطف، والتفجير…التي عاشها المجتمع العراقي أبان فترة سقوط بغداد 2003م، ونُسجت بصورة فنية اتشحت بالدقة في ذكر زمان ومكان أعمال العنف الجارية ، وعليه رست الدراسة في ميناء ذلك المصطلح النقدي لتسدل الستار عن مجريات كرونوتوبيا العنف الذي شخصه مؤلفه منذ الوهلة الأولى لمؤلفه عبر البنية اللغوية للفظة (مقتل) الجامع زمان القتل ومكانه. إنمازت رواية «مقتل بائع الكتب» بالواقعية، وذلك بوساطة التسلسل الزمكاني المنطقي في سرد فلكلور المجتمع العراقي في تلك الحقبة، وجاء ذلك التسلسل متماهياً لدرجة لا يمكن الفصل بينهما لتقودنا تلك العلاقة الوشيجة بينهما إلى دراسة كرونوتوبيا العنف التي عاشتها الشخصيات على وفق تصورات باختين.
وعند الغوص في أعماق رواية « مقتل بائع الكتب» نصطاد بعض الأمكنة الأساسية، وأخرى ثانوية تتغلب عليها الأحداث الزمانية لتبث روح المغامرة، والأثارة في الشخصية الروائية، والمتلقي على حدٍّ سواء في البحث، والتقصي عمّا ستؤول إليه الأمور. جاءت مدينة بعقوبة لتجسد كرنوتوب العنف تجسيدا يرتكز على ثنائية الزمان والمكان ضمن إطار يضمن سير عجلة الأحداث ودينامية الشخصيات، ففي مكان ما من بغداد يتلقى الصحفي (أستاذ ماجد) مكالمة هاتفية : (قبل أسبوع، عند منتصف ليلة عاصفة وممطرة تلقيت مكالمة غريبة… من وهن نبرته وبحتها خمنت أن من يخاطبني رجل تعدى السبعين من عمره … راح يتحدث عن محمود المرزوق، بائع الكتب الهرم الذي اغتيل قبل شهر في شارع الأطباء ببعقوبة … أريدك أن تكتب كتابا عنه وسأتكفل بنفقات نشره بطباعة راقية في بيروت…)، يجمع النص بين جميع ألوان الوقت الثلاثة : الماضي، والحاضر، والمستقبل، فهناك ثمة اندماج بين العلامات المكانية والزمانية تقود المتلقي نحو دلالة معينة وهي: صورة من العنف الموجه إلى الثلة المثقفة، وهذا واضح من اغتيال شخصية تبيع الكتب في مكان يهب الحياة ويرجعها إلى ربيعها المتشخص في باحة الطب والأطباء، وبذلك تبدو مدينة بعقوبة خاضعة للمنطق الزمكاني. بعدها يسرد الراوي ذلك الاغتيال بصورة مفصلة: (الزمان؛ آخر النهار من يوم دافئ … منتصف كانون الأول.
المكان؛ شارع الأطباء في مركز مدينة بعقوبة .
يخرج محمود المرزوق من معتكفه في سرداب عمارة… يمشي المرزوق بضع خطوات. وفي لحظة خاطفة يتوقف عن السير، يرتعش، ينكفئ، يترنح، يقع، يتمدد على بطنه…اقترب منه شابان ظنا أنه عثر بحصاة… بوغتا ببقعة دم تحته تسيل نحو الشارع ..). فالوقت هنا أصبح أكثر كثافة، وأصبح مرئيا من الناحية الفنية، وتبعه تكثيفاً مكانياً مكوناً صورة تأريخيه تنصهر فيها الوحدة الفنية الزمكانية، والواقع الفعلي. بعد ذلك ينتقل الراوي لنسج صورة أخرى مستقلة ذات مغزى رسمياً للعمل الفني : ( تموز
باغتني « كاميران عادل بالدخول عليّ السرداب في ساعة مبكرة من نهار ساخن … ليلة البارحة دخلوا بيتاً قريباً من بيتي وأطلقوا الرصاص على عائلة بكاملها…
حدث انفجار في فلكة العنافصة… وآخر قرب السوق المركزي وثالث في شارع المحافظة ورابع في بعقوبة الجديدة وخامس في حي التحرير، وسادس في الكاطون …) . ويستمر الراوي في وضع أسس صوره الفنية على شكل هرمي بينها ترابط منطقي يدركه القارئ على مستوى حدسي: ( 14تشرين الأول
… نسهر في منزل هيمن قره داغي … جلسنا في الحديقة على كراس مريحة …لكن سيلاً من الرصاص الملعلع في الشارع القريب والذي استمر لوقت بدا لنا طويلا جعلنا نهرع إلى داخل البيت…). يسير الراوي بخطى حثيثة في إكمال حبكته الدرامية عبر الكرونوتوب الذي يساعد القارئ في تكوين صورة ذهنية تتشابك فيها الأحداث الفنية والواقع المحيط، ولنا أنْ نتلمس الصبغة الانفعالية التي اتسمت بها تلك العوالم الروائية فجاءت المشاهد تعج بالجراحات، والألآم وتجد الشخصية نفسها في كابوس يزداد ظلمة ووحشة :(14 شباط 2005
أقبل عبد الله حارس العمارة يلهث ويداه ترتعشان… سألني؛ أسمعت أصوات الطلقات؟ قلت لا، ماذا حصل؟.. قتلوا ستار بائع العصير قرب الكراج الداخلي …) .تظهر ملامح مدينة بعقوبة في فترة دموية يكون أسهل ما يجري فيها القتل دون مراعاة بين فقير وغني، صغير وكبير، مثقف وجاهل، ( 20 آب 2006
الجثث في الشوارع…). الزمن الكرونوتوبي هنا أكثر دموية من سابقيه، وكأن المدينة خلت من الأحياء ولم يتبقَ فيها غير الجثث، يتصاعد الحدث إلى الذروة عندما يتقدم الزمن بتلك المدينة المنكوبة 🙁 29 تشرين الأول
لاحقوا شابا حتى نهاية الشارع ونخلوه بالرصاص.. فرغ الشارع بلحظات..لم أقفل المحل …). وقد يختلط زمن المغامرة بالزمن اليومي وذلك عندما يقدم الراوي مشهدا للصحفي ماجد وهو يتعرض لإطلاقات نارية في سيره الحثيث في الكشف عن قاتل بائع الكتب :
( اليوم هو السبت، وأول النهار مشرق وبارد… أجلس عل كرسي أمام النافذة … كان الوقت ضحى حين طرق الباب سائق التكسي جاء ليصطحبني إلى بهرز اتفق معه مصطفى كريم الذي سيلتحق بنا عند الظهر، في البستان،….
الإطلاقة التي اخترقت الزجاج الأمامي لسيارة التاكسي صفرت بيني وبين السائق قبل أن ثقب أعلى جلد المقعد الخلفي وتختفي وراءه .. كنا ما نزال عند ساحة البلدة المكتظة وحولنا أهم مؤسسات الحكومة المحلية…)، وفي مجمل القول تحمل تلك المشاهد السردية لمدينة بعقوبة دلالة العنف الزمكاني، وسلبية الواقع الموحش آنذاك وهذه الدلالة ستبقى السمة المميزة لجميع الكرونوتوبات لهذا الفضاء الروائي.
أما فيما يخص الأماكن الثانوية التي ورد ذكرها في الرواية فجاءت أكثر هدوءاً مما سبق وجاءت خدمة للأماكن الأساسية. اذ تعتبر البيوت والمحال والمقاهي والمطاعم أماكن يلتجئ إليها الصحفي «أستاذ ماجد» ليلتقي ببعض الشخصيات التي تساعده في إتمام مهمته: (أيقضني جرس الموبايل في التاسعة إلا ربعاً… تسلل همس فاتن إلى أذني منغّماً منعشاً: صباح الخير. لم تصدق أنني ما زلت في فراشي والمدينة هادئة، أسمع في هذه اللحظة، ضجة زقزقة العصافير المتقافزة في الحديقة الخلفية للمنزل… هي تتصور المدينة غارقة في العنف ويجري قتال ضارٍ في أحيائها …) يتحلى البيت الذي اتخذه الصحفي مكاناً لإقامته في بعقوبة بزمكان هادئ ، فالحياة تدب فيه بعد الواقع الموحش الذي تحيا به المدينة. يستمر الأستاذ ماجد في التنقل بين أرجاء مدينة بعقوبة يلتقي ببعض الشخصيات التي كانت على تماس مع بائع الكتب «محمود المرزوق» 🙁 أصر هيمن قره داغي أن يأخذني إلى مطعم قريب للمشويات في الهواء الطلق… بلا بناء… فقط عربة مزججة… مطعم رصيف لا يحمل لافتة تعرّف باسمه تناولنا لحم الغنم … جالسين على ضفة نهر خريسان… ثم خرجنا إلى مقهى الزهاوي القريب لنشرب الشاي…) هذه الأوصاف الفيزيقية التي سردها الراوي حول أماكن بعقوبة تؤكد على عراقة هذه المدينة التأريخية ،وببساطتها وسكانها الطيبين المرحبين بضيوفهم دونما تكلف .إذن يتضح لنا أن ثيمة الكرونوتوب ساعدتنا كثيرا في تلقي الأحداث الواقعية لمدينة بعقوبة ،وتعاقب الفترات الزمنية فيها بين العنف والسكينة.

About alzawraapaper

مدير الموقع