قنصل بريطانيا في بغداد سنة 1843

طارق حرب

هنالك ثلاتة من الممثلين الدبلوماسيين المشهورين ببغداد في القرن التاسع عشر هم كلوديوس ريچ بداية هذا القرن زمن الوالي داود باشا، والثاني روبرت تايلور سنة 1833م زمن الوالي علي رضا باشا، والثالث الميجر هنري رولنسون Henry Rawlinson الذي تولى منصب المقيم البريطاني العام في بغداد وتركيا العربية، وهكذا توصف بالكتب الرسمية بعد عزل القنصل البريطاني السابق روبرت تايلور بسبب قبوله لفكرة والي بغداد العثماني نجيب باشا حول مد خط ملاحة بخارية في نهر دجلة لان بريطانيا تعد ذلك ضد مصالحها، ووصل رولنسون الى بغداد في الشهر الاخير من سنة 1843 م بآمال واسعة لسياسة بريطانية تلقى القبول والحكم البريطاني في بغداد وسائر مدن العراق، وكان مثل اسلافه يعتقد ان أساليب العظمة والكبرياء والتعالي على والي بغداد وموظفي الادارة الحكومية فيها تهيئ الظروف لتقبل البغداديين الانگليز وفكرته ان اهل بغداد في عيونهم وانهم يحكمون على الشخص بمظهره، ومع ان حسن المظهر مطلوب لكل ذي مكانة في كل وقت وزمان لكن رولنسون يوسع هذا المفهوم بحيث يشمل القوة المحاطة بالشخص وبذل الاموال وليس الملابس فقط، فكان يلتزم بأن يكون في المقيمية البريطانية ببغداد قوة من الحرس الهندي، وان تكون امام المقيمية في نهر دجلة باخرة بريطانية مسلحة تقف امام المقيمية وتحرسها وتهيئة الظروف لتحكم بريطانيا بغداد والعراق او على الاقل المثلث المتمثل بمدينة عانه ونهر الزاب والخليج العربي، لذلك ابتدأ بعلاقات وثيقة مع آل بابان الذين يمثلون القوة الكوردية الكبيرة وقتها على الرغم من ان أحمد بابان كان يشكل خطراً ضد العثمانيين، كما أقام رولنسون علاقات مع زعماء الطوائف ببغداد، حيث عمل رولنسون على ربط المسيحيين بالقنصلية البريطانية، لذلك ساءت علاقته مع والي بغداد وجعلت الوالي يقاوم نشاط رولنسون، واتهم رولنسون الوالي بأنه يضع العقبات امام اية تسوية بين الطرفين، لذا فقد رفع الوالي الموضوع الى الباب العالي في استنبول خلافاً لما كان سائدا زمن المماليك حيث الاستقلال الذاتي لوالي بغداد المملوك، وعلى الرغم من ان هذه فرصة لفرنسا العدو التقليدي لبريطانيا، ولكن الدولة العثمانية غالباً ما تتراجع امام الطلبات البريطانية، وكما وقف الوالي نجيب باشا ضد التطلعات البريطانية فإن والي بغداد الجديد نامق باشا وقف أيضاً ضد هذه التطلعات التي صدرت من رولنسون ومن القنصل الذي جاء بعده (كمبال)، وقد كانت فترة القنصل رولنسون تمثل مركز اشعاع للمقيمية البريطانية، فلقد حرص على ان ترسو الباخرة امام القنصلية يرفرف عليها العلم البريطاني وتطلق المدافع تحية له من وقت لآخر، وعليها البحارة الهنود، إذ كانت هذه الباخرة لا تقل شأنا في نشر النفوذ البريطاني وحماية المصالح البريطانية ببغداد، الامر الذي دفع الادارة العثمانية ببغداد لإرسال باخرة عثمانية على مقربة من الباخرة الانگليزية، ولكنها لم تكن تعمل كالباخره الانگليزية. أما حرس المقيمية البريطانية ببغداد فكانوا من الجنود الهنود على نظام عسكري دقيق ويرتدون الملابس الزاهية، ويقومون باستعراضات جميلة على أنغام الفرق الموسيقية الملحقة بالمقيمية، وكان القنصل رولنسون يعتقد ان الاعتماد على الحرس الهندي من صنف المشاة لايفي بالحاجة، لذلك تولى استقدام قوة خيالة من الهند قوامها 20 فارسا، وعلى الرغم من ان اتفاقية سنة 1675 حددت عدد الخدم بما لايزيد على العشرة، فأن القنصلية البريطانية كانت تضم اكثر من هذا العدد بكثير، وكان ذلك يثير الهيبة والرهبة في نفوس زوار المقيمية، بالاضافة الى الحيوانات المفترسة التي جلبها رولنسون، ومنها الاسد، وكان في المقيمية طبيب خاص بها، ولكنه يقوم بعلاج كبار رجال بغداد مما يمنح الانگليز فرصاً للحصول على مكاسب سياسية، وفي المقيمية كان هناك عدد من السكرتيرية والمترجمين الذين يؤدون عملهم بنظام لا تعرفه الادارة العثمانية ببغداد، وكانت رواتبهم العالية تظهرهم في مستوى اقتصادي اعلى من أثرياء بغداد.
ولقد جعلت فترة عمل رولنسون ببغداد المركز القنصلي البريطاني ببغداد من المراكز المهمة جدا وكانت قوة الحراسة تتألف من ضابط واحد وخمسة ضباط صف و24 جنديا فضلا عن قارعي الطبول.
وقد اقترح رولنسون استبدال هذه القوة بقوة محلية من اهل بغداد، اذ يعتقد رولنسون ان ذلك اكثر فائدة، خاصة عندما يقوم القنصل البريطاني بجولة خارج بغداد، ولكن لم تتم الموافقة على هذا الاقتراح.

About alzawraapaper

مدير الموقع