قراءة في مجموعة «آخر عيون للنسيان. الهدية العاشرة» للقاصة نجلاء عطية (1)

الزوراء / خاص/ د. كريم صبح
عالم القص، باشتراطاته الفنية المعروفة، عالم مهيب لا يجرؤ على ولوجه سوى من امتلك أدواته، بما فيها الفكرة المقنعة، اللغة المقبولة، الأسلوب والصدق الفني، وهي أدوات يمكن من خلالها الحكم على جودة منجز أدبي من عدمها، التي – في سياقها – أمكن النظر الى المجموعة القصصية «آخر عيون للنسيان» للقاصة التونسية نجلاء عطية. فقد نجحت الكاتبة في اجتياز عتبة العنوان بسهولة وحرفية، على الرغم من أنه لم يكن عنوان احدى قصص المجموعة، كما هو المألوف في فن القصة القصيرة، وعلى الرغم من أن العنوان نفسه يبدو عصيا على الفهم أول وهلة. «آخر عيون للنسيان» تخالف توقعاتنا وطبيعة وظائف الجسد. المعلوم ان الذاكرة هي مركز التذكر وهي موضع النسيان أيضا. فمهمة العين النظر والرؤية، ومهمة الذاكرة خزن ما تراه العين. لكن الكاتبة هنا لجأت الى اسلوب انزياحي منحت العين من خلاله مهمة الذاكرة.
المجموعة التقاطات ذكية معبرة لنماذج بشرية غلبت على موضوعاتها المرأة عاشقة، مظلومة، هامشية وموجوعة، ضعيفة وقوية، غاصت فيها أملا وألما، بلغة شعرية سلسة انثالت بها قصص المجموعة كلها تقريبا. وبحسب الأستاذ المتخصص في اللغة العربية وآدابها د. محمد شداد الحراق في مقالته «اللغة الشعرية وهوية النص»، فإن ما « يجعل لغة الشعر تتميز عن غيرها، انها اكثر من وعاء لحمل المعاني، واكثر وسيلة للتعبير عن الأفكار». ولعل في ذلك تحديدا يكمن سبب سيادة تلك اللغة نفسها على نصوص المجموعة، ولا سيما أن القاصة – في الأصل – شاعرة معروفة. وقد تركت للغتها الشعرية الجميلة التعبير عن موضوعات قصصها. واستطرادها في هذا السياق يفسر غياب الجمل القصيرة والتكثيف المطلوب في القصة القصيرة، مع ان ما يحسب للكاتبة – في الوقت نفسه – ابتعادها عن المباشرة والتقريرية، فجاءت قصصها مقنعة وحازت صدقها الفني.
يبدو جليا أن القاصة مالت الى النهايات المفتوحة في كثر من قصص مجموعتها.ربما أرادت من ذلك اثارة خيال القارئ ودفعه الى التساؤل، التوقع والتحليل، وهذا يفسر تفاديها عنصر الصدمة أو الادهاش في قصصها كلها.
استهلت الكاتبة مجموعتها بقصة «ليتني»، وهي تداعيات الأمنيات المؤجلة الى حين غير معلوم. فالبطلة تخاطب حبيبا متخيلا. وهذه صيغة الخطاب: «ليتني أتوغل لحظة أخرى في هذا الحلم… ليتني أكتبكَ قافية لم يحددها خليل قبلي… ليتني الرواية التي تجب ما قبلها من الروايات». وبدت قصة «حذ الحياة بقوة» محاولة ناجحة لاعادة وصل بطلتها بالحياة بعد ان انتزع منها الموت زوجها. تلك المحاولة جرت على يدي اخيها الذي لم نعرف اسمه كما لم نعرف اسم البطلة، وهذا ديدن الكاتبة في التعامل مع كثر من ابطالها. تبقيهم من دون اسماء حتى النهاية، باستثناءات قليلة جدا.
دخلت الكاتبة بوعي وحذر منطقة المحظورات أو الخطوط الحمر العربية : الحب والجسد، في قصة «تمرد». البطلة هنا، من دون اسم أيضا، فتاة في عمر الزهور تقع في حب ابن جيرانها الذي يكبرها سنا. يتفجر حبهما في مكتبة عامة يستعيران منها بعض الكتب. تكون فريسة أنوثتها الجامحة وقلقها من نهاية مأساوية: «حتى لا أخوض في معركة اخسرها لصغر سني، كنتُ أرفض ان يزج بي خيالي في ثورة الاحاسيس. فقد لا يقدر شاب زاهٍ بذكورته أن يكبح جماح رغباته. ولن أتمكن أنا مهما فعلت من الصمود أمام شهوات قد اتصرف معها بفطرتي فأدخل عالم الكبار وأنا ما زلت صبية لم تكتشف بعد مفاتنها». ثم تستطرد بالحديث عن قمع المجتمعات العربية الذكورية لجسد الأنثى وتطلعاته: «كم كان يرفض ارادتي أن ابقى صامتة… يقودني كعمياء للوصول الى كل الممنوعات ليحكيها ولا انبس ببنت شفة لاني اخجل من ضعفي أمام الحقائق المثبتة علميا ونفسيا واجتماعيا فلا اقدر على نفيها ولا الجهر بها…فقد قبروا فينا الشجاعة… قد يتصور البعض اني ادافع عن التعبيرات الحرة واللامشروطة للجسد، لا. ولكني مؤمنة ان مشاكلنا لن تعرف الحل يوما لأننا مغرمون بسياسة القمع في كل شيء يهم الحياة… وليعلم الجميع ان الجسد عند معظم العرب في حاجة الى ان يقود ثورة على الموانع التي تكبله وتفقده توازنه»، لتنتهي الكاتبة على لسان بطلتها الى الموازنة بين شرفين؛ شرف العائلة وشرف الأمة المباح على يد الغرب: «فنحن العرب يا سادتي مهووسون بقضايا الشرف، نخشى أن ينال احدهم من شرف بناتنا، لذلك متى حصل، لا تستغربوا لو سال الدم نجيعا… مسكين ذاك الشاب لو الصقتُ به شبهة من صنع خيالي، خيال أنثى قد يصل الواقع بالوهم، كذبة بريئة تتضرج بدماء عاشق كل ذنبه أنه أحب… آهٍ وكم التاع وقد غادرني أبي ولم اتمكن من أرى ردة فعله وقد تعدوا معنا حدود الواقع والخيال في النيل من شرف أمة بأكملها».
وبدت قصة «أمير» ابن حارس المدرسة، مثالا صارخا ومخجلا عن سطوة الجهل في المجتمعات العربية. براعته في القص وموهبته في الرسم وأدهما عمه بكل قسوة: «طفل ولد كبيرا رغم نحافة جسمه وقصر قامته… طفل متقد الذكاء، يكتب قصصا رائعة مختلفة عن قصص جدتي التي كانت ترويها لي قبل النوم… لم تتوقف مهاراته عند الكتابة، بل كان يطلق العنان لأنامله فيرسم مشاهد بديعة مذهلة… انه موهبة فذة، بل طاقة خارقة في كل شيء». لكن شيخ القرية، صاحب النفوذ المطلق فيها، وهو نفسه عم «أمير» في الاصل، حاربه عمدا وكبت موهبته الفذة، فمزق ما كتبه من قصص واحرق ما رسمه، فكانت النتيجة قتل موهبته تلك الى الأبد: «شيئا فشيئا ضعفت قدرات ذلك الصبي الى أن تبلد عقله وغادر المدرسة ليصبح بائعا متجولا».
تنتصر الانسانية لبطلة قصة «عاشقة الدانتيل»، ابنة شوارع لقيت شظف العيش وعانت الفقر والعوز، ولم تحظ ببيت دافئ يأويها ويحفظ كرامتها. الانتصار ذاك جسدته امرأة نبيلة عطفت عليها وحمتها من غائلة الزمن: «نعم أنا بنت شوارع آوتني امرأة فاضلة اسكنتني قلبها قبل بيتها، قاسمتني حلمي ودفعتني بكل ارادتها القوية نحو الانتصار»، ليبرز هنا انموذج نقيض للأنموذج الذي صادفناه في قصة «أمير»، في حين ابرزت قصة «شرفة تفتح على البحر» علاقة صداقة نبيلة بين فتاتين نفتقر اليها في حياتنا المعاصرة التي غلبت عليها العواطف الكاذبة التي جسدتها مواقع التواصل الاجتماعي. علاقة الصداقة تلك امست ذكرى بعد ان فرقت تقلبات الحياة بين الصديقتين. صادف أن مرضت احداهما مرضا جعلها طريحة الفراش. وقرابة منتصف الليل وقد انهكها المرض وهدتها الوحدة، فوجئت باتصال لم تتوقعه من صديقة عمرها «مها». الجوال هنا يتحول الى الصلة بين الاثنتين؛ وسيلتهما الوحيدة في استعادة ذكرياتهما الجميلة. الرائع في هاته المكالمة غير المتوقعة التي استمرت حتى الفجر، انها خففت من مرض البطلة الى حد كبير. هكذا هي الصداقات النبيلة النقية بالفعل بلسم لسقمنا.
الصداقة مرة أخرى لكن من باب الوفاء جسدته قصة «وفاء». في هذا الأنموذج يظهر أحد صديقين بصفة الوفي لصديقه الذي اختار العزلة بعد وفاة زوجته واسمها «وفاء»، فينجح في اخراجه من وحدته وحزنه ويلقيه وسط الحياة، مع انه هو نفسه يقع فريسة حزن أشد. تبين انه هو الآخر كان مفتونا بها قبل زواجها، لكنه آثر التضحية من أجل صديقه فأخفى الأمر عنه حتى النهاية، مع أن صلته الوحيدة بها كانت شالا لا أكثر: «بعد فترة تمكن الزوج من تجاوز حزنه بالرجوع الى مباهج الحياة، وكم كان يسأل صديقه في استغراب عن سبب حزنه العميق دون جدوى في الحصول على اجابة تقنعه. كيف له ان يعلن أمام صديقه أن أمره قد انتهى حقا بعدها ولا معنى للحياة دونها. فهو سجين طيف تلك المرأة ورائحتها ما زالت تضوع من شال أصر أن يأخذه منها ذكرى من صديقة أيام الجامعة».
هكذا تتوالى نماذج أخرى في سياق العلاقات الانسانية، وهي واقعية ويمكن أن تجد صداها في تفاصيل الحياة اليومية. «نقوش على الروح» مثلا، قصة امرأة متقدة الشغف لكنها أنموذج عاطفة سلبية لم تتحول الى فعل. تخاطب البطلة حبيبها المفترض: «لو تعلم كم مرة جئتكَ ووقفت أمام بابكَ حتى أكاد اتجمد من الصقيع دون أن أجرؤ على طرقه… كم من فساتين جديدة اشتريت لألبسها في موعد لم يتحدد بعد وأظنه لن يحدث… لتعلم اني بعدما تيقنت انكَ لم تأبه لي، قررت أن أكون بطلة لقصتي وحدي وسأصيركَ بطلا على مقاسي، فخيالي أقوى من واقعي المهزوم أمامك».
ربما «عودة سندريلا» هي وآخر قصص المجموعة شذتا عن قصص النهايات المفتوحة، بل زادتا على انهما انتهتا نهاية سعيدة. بطلة «عودة سندريلا» فتاة عرفت الفقر والعوز، وقد جمعتها مناسبة أدبية بشاعر مشهور يكبرها سنا، شدته اليها وهو يلقي قصائده، اكتشف ما يخفيه وجهها من مآسٍ، والسحر الغريب الكامن فيه، فشعر في قرارة نفسه بحب يولد جارفا كبيرا كما لو كان ابن كل الازمان. دعاها الى العشاء فلبت دعوته مسرورة، ثم صحبها الى مكان أكثر رومانسية. هناك سرد على مسامعها تفاصيل حياته كلها، ثم حان دورها: «رأى أمامه كتلة من الاحزان وهولا من المصائب وسيرة لا يتحملها قلب امرأة مثلها». لم يشأ أن يضيع المزيد من العمر بحثا عن حب جارف كبير مثل ذاك. خاطبها: «أنا أناهز الستين وأنتِ شابة». سلبت لبه اكثر بردها الذي لم يعترف بالزمن عقبة أمام الحب الكبير: «العمر أعمار…، فبعمر المعرفة أنا نطفة… أما بعمر التجربة، فأنا هرمة، وأما بعمر المأساة فأظنني عشت آلاف السنين…، وأما بعمر العشق، فانا اولد اليوم واعلن من مكاني هذا اني زهرة تتمنى أن تتفتح فلا تضيع عليها لحظة من عمر الزهور». هكذا ابتسم لها القدر أخيرا: «ما إن سمعها حتى قفز من كرسيه وجثا على ركبتيه ودون تردد طلب يدها وبكل حب قبلت».
آخر قصص المجموعة «مريم والهدايا العشر»( هل هي على غرار الوصايا العشر مع دلالة الاسم مريم؟) قسمتها القاصة على عشر هدايا – أقصوصات بل هي – في الواقع – قصص قصيرة جدا لا تحمل عنوانات بذاتها بل منحتها الكاتبة تسلسلا عدديا كتابة. اختزلت أبيات شعرية وجع بطلة القصة الأولى منها: «أحببته كما لم تحب امرأة ونسيته كما ينسى الرجال»، لكن حين تواصل الحبيب معها عن طريق الجوال بعد غياب خمسة وعشرين سنة ( هذا الزمن ثابت وتكرر في أكثر من هدية – قصة ، كما يشار اليه تباعا) أوجعتها عودته ثانية بعد غياب. سألته ما اذا كان قد أحبها بالفعل. بالتياع أجابها: «ليتني، ليتني من الذين يتقنون في حبك النسيان». هاته النهاية قابلتها نهاية أخرى سعيدة في الأقصوصة أو الهدية الثانية التي آيست بطلتها من ثمار شغفها، لكن ثمة عاشق غمرها بقدومه «من أقصى المدينة مسهد الجفنين، متعب وجهه بالعشق… بيده وردتان وقصيدة»، فتقنع الحبيبة بهاته النهاية: «ما أروع أن تهديك صفحات كتاب فراشة من جناحيها تسترجع الوانا زاهية لعمر من الحب ظننته بايع الخذلان».
السنوات الخمس والعشرون تتكرر في الهدية الثالثة. حبيبان يقفان في محطة قطار. لكنهما بدلا من السفر فورا يختاران عزلة مسوغة. يخاطب الحبيب حبيبته: «حبيبتي، لنبق قليلا كي استردك من الزمن…، وانهي عذاباتي. فقد تركت سعادتي معلقة هنا خمسة وعشرين عاما تحتضر». هذا التوافق المشحون بالعاطفة عبرت عنه اجابة الحبيبة: «خذني اليك…، واهدني في سدرة الليل قبلة يسترد منها الرصيف ذاكرة العشق…»، لينثال العشق نفسه في الهدايا الرابعة – الثامنة. في الهدية قبل الأخيرة – التاسعة نكون على موعد مع وصل ما انقطع طوال خمسة وعشرين عاما. الزمن نفسه بعدد سنينه يتكرر هنا أيضا. رجل وامرأة وثالثهما عشق مطاول حتى الظفر: «تعالي معي صغيرتي الى موعد في شرفة النسيان لنحتفل معا بآخر فصول فراقنا… لنطفئ شمعة بقيت تشتعل في دمي خمسة وعشرين عاما… خذي خاتمي هذا، فهو ما تبقى من عمر العشق على الأرض… كم أحب في آخر هذا الموعد أن أبكي قليلا وأتوسد ركبتيكِ كي أنهي فراقنا».
والهدية العاشرة، أين يا تراها؟ الغريب والجميل في الوقت نفسه، أن القاصة خالفت توقعاتنا في العثور على الهدية العاشرة في متن مجموعتها، بجعلها ضمن عنوان المجموعة في الغلاف، ليُقرأ العنوان على النحو التالي: «آخر عيون للنسيان. الهدية العاشرة»، وهي – بطبيعة الحال – هدية جميلة ومقبولة في سياق بواكير ابداعات القاصة، كما هي خطوة موفقة وذكية.
هاته قراءة على عجالة في بعض نصوص مجموعة «آخر عيون للنسيان» التي نجحت كاتبتها من خلالها في الانتصاف للمرأة وحريتها، والجمال وتعبيراته، بنماذج مفعمة بالحياة، مترعة بالصدق، على الرغم من أن بعضها كان هامشيا. فهذا هو الواقع، وليس مكان كل الناس وسط الحياة، في مركزها، ولا كلهم على هامشها، كما يحسَب للقاصة أنها لم تزوق بطلات قصصها وابطالها بما ليس فيهم. انهم بالفعل من لحم ودم، يعيشون بيننا، يتألمون مثلنا، يفرحون كما نفعل، ينهزمون مرات وينتصرون مرة، كما هو حالنا دائما، وكما هي حياتنا اليوم بالفعل. المجموعة – في النهاية – كانت ذاكرة، كما كانت كاميرا صورت ابطالها – وبعضهم من دون اسماء حتى – بلا تزويق أو رتوش، في صدق يجعل كثر منا يشعر كما لو أن هذا النص أو ذاك يروي قصته هو دون غيره.
(1) نجلاء عطية، آخر عيون للنسيان. الهدية العاشرة، مجموعة قصصية، مطبعة سوجيك، صفاقس، 2018.

About alzawraapaper

مدير الموقع