قراءة في رواية (صهر البابا) للقاص والروائي العراقي طامي هراطة عباس

ثقافية الزوراء
قبل الحديث عن رواية (صهر البابا) لابد من التنويه ان القاص والروائي طامي هراطة عباس قد أصدر مجموعته القصصية الاولى ( حاضن الاسئلة ) عن وزارة الثقافة عام 2009 ، والمجموعة القصصية الثانية ( الاشياء الناقصة ) عن دار الينابيع بدمشق عام 2010 ، وعن دار تموز صدرت المجموعة الثالثة ( دورة السبات القصيرة ) عام 2011 ، امّا مجموعته القصصية الرابعة ( ما بعد الهطول ) فقد صدرت عام 2013 .
في عام 2015 صدرت روايته الاولى ( سرير في مومباي ) عن دار ميزوبوتاميا .
أمام روايته الأخيرة ( صهر البابا ) نقف على براعة الكاتب في توظيف ثيمات سردية مختلفة تداخلت عبر المتواليات السردية لتشكل وحدات نصية تآلفت فيما بينها وأخرجت معمارية جميلة لرواية استطاعت ان تشق طريقها الى عالم النجاح .
( كان محرك السيارة يرتج ويهدر على نحو متقطع دوت ان يتمكن من التقاط ايقاع حركته المنتظم .. ص7 ) . هكذا كان الاستهلال ، وصل الينا بطريقة سلسة ، وبعيدا عن وجود مسافة طويلة بينه وبين الدخول الى الحدث ومهد الى الربط المريح بين البطل ( علي شاكر ) الذي ظل يدير دفة الاحداث ، وهو استهلال ابتعد عن المقدمات التقليدية في البناء الروائي .
( كانت هناك عتمة طاغية ، عتمة أول أيام شهر محرم الحرام .. ص8 ) من هنا كانت الاشارة الى الزمن الذي تدور فيه احداث الرواية والذي شكل حاضنة لبؤر التنوير والتثوير ، مناطق خصبة لخلق حالات التأزم والانفتاح ، مناخات ملائمة لخروج موضع الاثارة بين ( علي شاكر ) وزوجته ( حياة النجار ) من جهة ، وبينه وبين ( منال حامد ) من جهة أخرى وعبر صراعات اعتمدت على التصريح والتلميح ، وتخللتها منولوجات داخلية ساخنة احتضنت الكثير من الانساق المضمرة في الدلالة الشمولية للرواية .
الروائي طامي هراطة عباس يمارس مهارته في دفع الحدث بالإشارة العابرة اول الأمر ، يلقي حفنة من البذور في البيدر ، يطلق عصفوره مع سرب العصافير وبعدها يوجّه بوصلته لما يريد ، يجعل البذور تنمو وتكبر ، يرعى العصفور ليصبح قائدا للسرب . ( وبقيت منال في مكانها ، كان هناك شيئا ما يشدها اليه والتمعن بهذه الهيأة ، شاربه العريض المشذب بعناية ، زاوية فمه التي تمسك السيجارة بشكل استعراضي .. ص17 ) . هذا التمهيد الحاذق الذي يتطور لينتهي بالزواج من ( منال حامد ) يقابله حالة أخرى بين ( علي شاكر ) وزوجته ( حياة النجار ) ( شعر ان تمنّع زوجته هذا هو اضافة أخرى الى معاناته .. ص28 ) وبين الحالتين كان الوجود الدرامي يتمدد على صفحات الرواية .
رواية ( صهر البابا ) استقت معماريتها من خلال المشاهد المرتبطة بوحدة الموضوع ، مشاهد لا تنمو عموديا ، وانما تسير باتجاه الأفق الممدود ، فبينما الصراع يشتد بين الزوج وزوجته من خلال الطلبات المتشددة للزوجة ، يخرج لنا الروائي بحدث آخر ليغيّر اللاعب ويحافظ على أصول اللعبة ، وصول ( علي اكبر ) فتح فصلا جديدا من فصول الاحداث المتعاقبة ( أغا مهدي المحامي .. أنا علي اكبر من طهران ، ابني موقوف في هذه المدينة .. ص36 ) . هذا الطراز من البناء اعتمد على الدايلوج الذي تتداخل أشكاله بعضه مع البعض الآخر ليشكل في نهاية الامر الاوردة والشرايين في جسد النص مستعينا في مواقع كثيرة تقنية الكولاج . ( تفاصيل ضرب المدرس المبرح لسامر أفزعت والديه .. ص30 ) ثم ينتقل ضرب الطالب ( سامر علي شاكر ) الى وسائل الاعلام عن طريق مراسل قناة الساعة ، وتتدخل بعض الاطراف ويستمر الحدث بالتصاعد ، هذه الوحدة النصية وما حملت من حدث ودلالة تقابله وحدات نصية موازية لها ولكنها لم تخرج من الاطار العام للرواية ، حيث ( حياة النجار ) تقرر بناء ما تريده في البيت وسط معارضة شديدة ، ومع تصاعد المعارضة تكون العقدة قد اتجهت الى الطلاق يقابله زواج جديد من ( منال حامد ) .
في رواية (صهر البابا) توظيف للأسطورة في الكثير من وحدات النص ( أفلتت يديها من أكتافهم وتحركت بخطوات مترنحة ص 220 ) ( تشق الزغاريد فضاء الخيمة ويتواصل التكبير، وعلياء مصرة على توثيق الحدث ص 221 ) ( وماذا بعد الزيارة ، هل يفارقنا الشيخ ص251 ) .
لقد ظهرت كفاءة الروائي طامي هراطة عباس واضحة في قدرته المدهشة على جمع الخيوط الروائية السائبة وعدم تركها منفلتة ( عند الظهيرة كانت السماء قاحلة ، زرقاء مثل فولاذ صلد، وعلى جوانب الطريق كان أصحاب المواكب يتوسلون بالزوار للاستراحة… 257 ) .
الرواية تناولت أحداثا اقتربت مرة وابتعدت أخرى الا انها لم تخرج عن معمارية الرواية ولا عن ثيمتها الرئيسة، شأنها شأن الشجيرات التي تضمها حديقة واحدة خلقت سياجها من جذور تلك الشجيرات، ومثل هذا البناء يتطلب جهدا كبيرا استطاع الروائي من انجازه بنجاح كبير.. سنعود اليها لتوضيح أهمية المكان والاسلوب السردي الذي اعتمده المؤلف في كتابتها .

About alzawraapaper

مدير الموقع