« قراءة في ديوان شعر «نوستالجيات عاشقة» للشاعرة امنة حمّو

عبد القادر فيدوح
سَيْماءُ الصورة
أول نجاح في الحياة أن تهزمي رياح نفسك هذا ما قلته للشاعرة الواعدة «حمو آمنة»؛ وهي تطلب مني – باتصال عن بعد – كتابة تصدير يليق بمقام ما جادت به مشاعرها، وبإعتاق ما طبعت به قريحتها الجياشة، على الرغم من أني لا أعرف «حمو آمنة» إلا في حدود تواصلها معي ذات مرة، تروم حظوةَ وصلةٍ بزاد من الكتب؛ لإنجاز مشروع بحثها لإكمال متطلبات الماستر، وبترغيبٍ نابهٍ، تستدرجني بأنها – كما قالت – طالبة عند [سُخْنَة عيني في المآل] الدكتورة ياسمين فيدوح في جامعة مستغانم، وهي تعلم أنني مقيم في قطر، قريب من الربع الخالي: فأنَّى لي بالتعرف إلى إبداعك؟ ومع إصرارها مَنَّيتها بإنفاذ البغية آنذاك، ثم غاب التواصل مدىً؛ إلى أن بلج وجهها بمكالمة، فخطرت صورتها على بالي أنها تريد مني كتباً خرى لتحضير الدكتوراه؛ إذ بها تطلب مني مرة أخرى قراءة مجموعتها الشعرية، ولم أكن على بيِّنة من أنها بصيرة بضوابط الشعر، لعدم معرفتي بها إلا بذلك التواصل الفريد، كنت ساعتها على أهبة السفر قبل أن أستجيب لطلبها؛ حينها خطر التحيُّر في داخلي بعد أن رهنت لها نفسي بالوعْد، فقلت في نجوى سريرتي: سوف تعرض عن الفكرة، فإذا بها تصر رغبة في كتابة التقديم، حينها لم يكن هناك بدٌّ من طلب إرسال مخطوط الديوان.أخذ مني فضول الخاطر أن أطلع على ما أرسلته إليَّ عبر جهاز الحاسوب في أثناء الرحلة، حينها شدتني قصيدة «صاحبة السعادة» التي تصدَّرت الديوان، فكان أول ما بدر مني على البداءة أن الصورة الفنية تثير في المتلقي الإحساس بالفضاء العاطفي، الذي يؤدي إلىتملك الرؤية؛ وهي تستند إلى الأجواء النفسية، ودورها في تحريك المشاعر التي تكتنف أيَّ امرئٍ، وتلفُّ بالذائقة اللمعية في الاسترسال مع تلقي النص دون كُلفةٍ، وتكشف عمَّا في الخفاء من صور مستترة في بُعدها المتواري؛ وبلغة تلقائية تجعل المتلقي يتواصل مع استثارة المشاعر، واستيقاظ الملكة التخييلية، وهي تستميل برقة كلماتها الوُجدان، وتجعله يذعن لوقْعه في داخلك، ويبلغ بك إلى مدى إطلاق العنان للعالم الباطني، الذي يحقق محور اكتشاف الذات من خلال التأمل في المناخ الوجداني. كانت الرحلة عبارة عن رحلتين، رحلة في فضاء السماء؛ ابتغاء للوصول إلى المُقام، ورحلة أخرى تحلق بي في فضاء الواقع المتعالي Hyperréel بحسب تعبير جان بودريار Jean Baudrillarمع نصوص «نوستالجيات عاشقة»، وهي تصور لك عالم الواقع تحت تأثير الطابع المعاش؛ وبما فوق الواقع المفعم بالصور العاطفية في الهمس الوجداني، الذي يليق بذات موزعة بين الحبور والشجو، بين الاستبشار والابتئاس، مع صاحبة السعادة مرة، ومع ذات الشقاوة مرات، في صور انبعاثية كتعويض عن التأزم النفسي، كما في هذه الصورة، وهي تلجأ إلى عرافة الكف لكي تزيل شكواها، وتستبشرها منها خيرًا في المستقبل: تَعَالَي يَا بُنِيَّتِي أَنْت لَا تحتاجين إلَى سَمَاعِ الأحجيات…حَضنتني بِأَطْيَب البسمات قَالَت أَنْت مُحْصَنَة بِسَيِّد الأسياد مُتَوَجِّة بتَاج المَلكَات أمَسَكَت كَفِي وَدَمْع السَّعَادَة مِنْ عَيْنِهَا ينحدر شلالات صَاحَت …. يَا سُبْحَانَه حَظَّك مَعَه كُتِبَ فِي الصَّفَحَاتِ سيشهد عَلَى حبِّكما تَارِيخ يُرْوَى فِي القَصَصِ وَالرِّوَايَات . صحيح أن النص من أول وهلة يوحي بالتقريرية، غير أن بذل قليل من الجَهد، يدرك القارئ أن وراء كل صورة فنية – مهما كانت طبيعتها – تتضمن في تضاعيفها إمكانية إنتاج عدد لا متناهٍ من الدلالات، انطلاقا من نوعية الإجراءات التأويلية، التي أصبحت بمثابة السراج الذي ينير لكل متلق متأمل المبادئ التي يسير على نهجها؛ من أجل الوصول إلى نتائج نسبية لا تروي الظمآن فحسب؛ بل تدفعه إلى الاستمرار في تذوق هذا النص أو ذاك. وفي كل نصوص الشاعرة «حمو آمنة» تحيلك إلى التأمل؛ من منظور أنه لا يوجد نص مبدع ينطلق من الفراغ، ولا يوجد نصٌ مبدع يتيم، فكل نص تابع ومتبوع. فهل يكون ضميرا المخاطب [بالكسر] والمخاطَب [بالفتح] في اقترانهما بقراءة الكف إشارة إلى رسم الهوية، أيَّا كان نوع هذه الهوية، أو أن الصورة في هذا النص تعني تبصر المستقبل، وبين هذه الرؤية، أو تلك، تتوزع دلالات الخطاب في جميع مستوياته، كما في هذا المقطع الملوِّح بإشارات خفية؛ إما إلى ما هو داعٍ إلى التأمل، أو ما هو نابع من استعادة المدركات الحسية الحاضرة في الذهن، وفي هذا سَمْتٌ يُوعِز إلى أن أيَّ نص هو نشاط فاعل بارئٌ، يتعامل مع الواقع بطريقة مؤثرة، ويتدخل فيه المتلقي بالتأويل، بل قد يفتته ليشكله من جديد على نحو خاص، يرى فيه رؤيته، ولنا في ذلك – مثلا – هذا المقطع من قصيدة « أَنَا رَجُلٌ لَا أَعْرِفُ البُخْل»اجْعَلي مِنِّي يَا سَيدتِي عَبْدًا يَخْدُمُكِ أَنِيسَا فِي خُلوَتِك قِنديلاً يُنِير ظُلَمْتُكِ واجْعلِي مِنِّي مِسْكًا يعانقُكِ في قريحة الشاعرة الواعدة «حمو آمنة» إثارة مشاعر المتلقي للبحث عمَّا في خفاء الصورة، على غير ما قد يتبادر إلى المتلقي العادي من أن نصوصها تقريرية؛ إذ الصورة الفنية في علاقتها بجماليات الخيال، تعد وسيلتها للكشف عن مضمرات الشكوى، التي ترى العالم برؤيتها الخاصة، وتتمكن بها من الولوج إلى داخل كل إنسان، وفي ظل هذا التصور فإن جمالية الصورة الشعرية على الرغم من أنها قد تبدو تقريرية، فإنها تظل مرتبطة بالرؤية التخييلية، وهنا تقع الصورة الخيالية في تماسٍ مع الرؤية الكشفية؛ لأنها استبطان لتجربة ذاتية، واقتباس من تجارب الحياة اليومية.
والحال هذه، أن تجربة «حمو آمنة» رغم حداثتها، فإنها تعد نواة استثمار لغرسٍ خصيب، ومصدرًا أساسا لتطلعاتها؛ وهي تمارس نشاطها، وفاعليتها، الإبداعية من خلال ما تحتويه من المضامين المتنوعة، فقد كتبتْ عن تجربة العاطفية، وعن تجربة المشاعر الإنسانية، والتجربة الوطنية، والثورية، والقومية، والتجربة الصحية مع الجائحة التي روعت العالم بصور معبرة عن تضامنها مع من أصيبوا بالبلاء، أو مع الجيش الأبيض المقاوم بتفانٍ، وقبل ذلك لم تنس موضوع الهوية العربية الإسلامية، بالإضافة إلى موضوع الجرح الغائر في روح كل عربي أو مسلم برؤيتها عن فلسطين المختطَفة من الكيان الصهيوني، وفي كل هذه الصور، وفي غيرها، تتشكل ملامح الصورة الفنية في رسم ملكتها الشعرية بحذق ومهارة ذوقية عبر هذه الأساليب، ومن خلال استخدام الدلالات الاستبصارية التي تدفع المتلقي إلى وقفة متأملة.وبالمجمل فإن كل ما يمكن أن يقال عن تقريرية قريحة الشاعرة «حمو آمنة» هو مجرد رأي؛ بحاجة إلى إعادة تركيبة تذوقه نصوصها؛ بما تتضمنه من أحاسيسَ تدخل ضمن ما يسمى في الدراسات الحديثة بالقوى الشاعرية، بوصفها كيانًا قائمًا بذاته في خلق فاعلية الصورة الشعرية، التي تعتمد بالدرجة الأولى على القوى الحافظة في قدرتها الباطنية، وفي هذه الحالة تكون القوى الحافظة في رأي كل شاعر هي التي تدير فاعلية الإبداع.والمتلقي لهذه التجربية اليافعة، ليس بحاجة إلى قاموس لغوي في أثناء قراءته ما جادت به قريحة «حمو آمنة»، بقدر ما هو بحاجة إلى رصيد عاطفي، واستعداد وجداني يقود صاحبه إلى استثمار المشاعر فيما هو أجدى إنسانيا، أو وطنيا، أو قوميا، كما أن أكثر ما يشد تذوق المتلقي في هذه التجربة الواعدة، هو البصمة الرومانسية التي تجمع ما بين المشاعر الصريحة والصورة الفنية الزاخرة بالإيحاء، لذلك جاءت نصوص الشاعرة «حمو آمنة» حافلة بما يصادف القلب من وجدانيات دون عناء أو تكلف، أو بما يؤجج العواطف؛ حين تجعل من ذاتها منصهرة بكل ما تملك من مشاعر وأحاسيس؛ إذ تصف نفسها بالغارقة في الوجد، والعاشقة له حد الجَهد، والتفاني، في المشترك الدلالي بين حبها المفرط، سواء في الملفوظ الجلي، أو من خلال مجموعة من الملفوظات الإسنادية الدلالية، بوصفها عبارات تأتي في شكل إشارات ضمنية غير مباشرة، تشير إلى أن صورها في بنيتها الدالة يشكلها السياق بكلّ معطياته التشاكلية؛ ومن ثم تتضافر فيها صورة الاندماج بين الملفوظ الدلالي، والملفوظ القضوي (الذي يعبر عن قضية معينة)؛ للتعبير مشاعرها.

About alzawraapaper

مدير الموقع