قراءة في المجموعة الشعرية (بريد الحرب) للشاعر حسين الدايني

الزوراء / خاص / د. سليم جوهر
اقدام مدفوع بالرغبة على معرفة ماذا يخبئ لنا بريد الحرب، والاحجام من ان يعيدني لمشاعر مؤلمة خبرتها ، وصورة مرعبة عايشتها. فما تكتنفه صور الموت في الحرب لم يسلم منها حتى العصفور فوق الشجرة من ان يمزقه انفلاق القنابل او تشظيها، فكيف يمكن ان لشاعر او قصيدة او رسالة لبريد الحرب تختصر الحديث عن الامها ومآسيها وهو ينكث الجرح الندي، ما انفك ينضح ألما.
لكن ما هو الوجه الاكثر تألقا في بريد الحرب، هو الامل في توطئة القصيدة/ الرسالة الطويلة المتكونة من 130 مقطعا مع خاتمة الرسالة البريدية (تقصفنا-الحرب- ومن الحب نغرف مظلة- لكي تقينا من مآسيها)،فرغم احساسه العميق بقرب الرحيل الذي يجعله في قمة اليأس(من جعبة ساعي البريد كانت الحرب تغرف رسائل للراحلين)، حيث يتساوى لديه الموت والحياة(في قصعته يرى، ظلالا لاكف الذين ماتو-ص14/ دعوه…، فموته ان يعيش، ص30) لكنه يغني للحياة،(فهو شاعر لا تكسره الحروب،ص30)، يفلسف التيه (موت الانهار ان أضاعت طرق الينابيع)، فتصبح البطولة حماقة، والشهادة فناء (حتى تنبت نخلا بارض الحرام، أشلاهم المبتورة هناك-ص15).
انها لحظة انسان مفرط في حساسيته وهو يلتقط صرخات المعذبين في الارض(عندما تنتهي الحرب، فقط الراحلون عنها ينعمون بسلام،ص46)(مقيمة حروبها في وجوه الامهات، هذي البلاد-ص14).
ويستنكر المظالم في التاريخ، والتي تسجلها الحروب، انه سخط مقدس، وهو يبشر بالكلمات المبدعة للمعنى، عندما يتحدث عن الصبي الذي ما زال يسكن في جوانحه ويصرخ بذاته، فالصبي (الذي شب على رائحة الرصاص، بلغ كهولته، الذي يختبئ في حنجرتي، يبحث في طياتها عن اغنية، في بلاد اختلطت فيها روائح الرصاص والعطور، وشهوة السيقان، ص133)، تصوير رائع وبليغ لثلاثية انتهاكات السلطة الشاملة (الحرب، والمال، والفساد).
النقد لثقافة الحرب
في نقده لنسق الثقافة التي لم تدون الامنا، يقول احد النقاد في نقده للادب العراقي ان الاف المقابر الجماعية وحروب عبيثية ثلاثة لم تثلم وجه السلطة وثقافة الحرب المحصن بسور الثقافة المبني من قصائد في مدح القوةوالاضطهاد والعنف والانتهاك بنيت في عقود من القسر وثقافة الحرب والمقاومة، وهو سور اقوى واعتى من اسوار بغداد الكونكيريتية.
اقول ان بريد الحرب مزق هذه الصورة، وهشم السور العتيد. حيث (الحرب تحلق بخيطها الطويل ، ولدي، فهي لا تنتهي، بعد انجلاء غبارها، مقيمة حروبها في وجوه الامهات، هذي البلاد. ص14).
يجعل حسين الدايني من الموت العبثي في بريد الحرب وجودا ممتدا، تاريخا مؤرخا بالمعنى المفجع، (المقابر لا تموت، جرب ان ترقص ليلة هناك، يتجلى لك الوجود، ص28، مقطع18)، فالموت والحياة وجهان للوجود، فهو يرى في الرقص في حضرة الموت تجلي للوجود.
نص حسين الداني في بريد حربه، يهمس بالمعنى غير المنظور لنا، يخطأ من يعتقد ان النص الادبي نصا فنيا فقظ، وليس وثيقة تاريخية(اثم الكتابة/ ص11)، نصا باذخ المعنى ذلك الذي يعطي حياة للمقابر فهي لا تموت، جرب، هي دعوة لكل فرد لمن ينسى ان يرقص ليتذكر ان الحمام يرقص مذبوحا من الالم، لا نهار ولكن ليلا، فهو الاكثر صدقا، هناك، في المقابر وليس هنا حيث نقرأ، يتجلى لك الوجود.
فالنص الحياتي والمعيشي الذي يلامس الجوانية الانسانية لا يمكن له ان يكون نصا ابداعيا، اذا لم يكن مشبعا بحمولته التاريخية، وتأثيرات الزمان والمكان، دون ان يثقل النص. فبريد الحرب يعبر عن وعي الكاتب، ويشي بمعنى الحرب الذي خلفته في وجدانه، فانعكس معان مختلفة ومدلولات متعددة، خلق في عالم النص، عالم موازيا لعالم الحرب المعاش. يجعلك تشمئز من الحرب، فيعطينا معنى مفارقا لمعنى العالم المشكل تاريخيا في النص، وذلك هو النقد الحقيقي في النص، ان يعطي نصا يحمل معنا مفارقا لا معنى موازيا (فيختصروننا بعلم وشاهد على القبر، ص31).
الايمان حب مكثف، علينا ان نحب الانسان اكثر وسيتحول هذا الحب الى ايمان بالانسان ذاته(بات من الحماقة، ان اطفئ هذا الحنين،ص57)، وخسارة الانسان التي تخلفها الحروب لا يساويها أي انتصار(ليو تولستوي/ الحرب والسلام ج1، ص18). الحرب ظاهرة مقيتة، فهي تسلب الانسان اثمن ما يملك وهي كرامته، وتنتهك انسانيته.
الانتهاك
وفقا لذلك فان الشيء الجوهري لاعتبار الشخص بشرا هو كرامته بالمعنى الوجودي، والتي تكمن في تحكمه في اصدار قرارته، بما يتعلق بعدم اهانته، وحفظ كرامته واستقلاليته(لايمكن ان يتم تعامل الانسان كما يتم التعامل مع، الكلب مثلا،تامره فيطيعك(ص268/ ما العنف- كتاب العنف).
ان العنف يكون انتهاكا في حالتين هما:
عدم وجود مؤسسة تبرر الفعل العنيف.
عدم وجو رضا من قبل الشخص المنتهك.(انظر، ص270، ما العنف).
فهو رفض لمؤسسة العنف والقسر المتجذرة في الحرب.فبريد الحرب مكرس للحرب ولكنه ينثر الدعوة للسلم في ثناياه.
المعارضة للحرب
ان المعارضة للحرب شيء صعب للغاية، فرغم كل المآسي التي خلفها الحروب،في الحرب لا اجابات، غير تلك المغلفة بطرود من الخشب(ص41).
لكنك تجد في كل وقت من يمجد الحرب والقتل والدمار، ويشعر بنشوة القتل(رخوا صوت الرصاصة، وهو يخترق صدغي، يرتعش وجه قاتلي، وانا أنظره (ص64)، صورة شعرية تحمل المفارقة بين المقتول والقاتل، وخاصة في ظروف اهتزاز قيمة الهوية والكرامة الانسانية، كالتي نمر بها. (فالموتى يتناسلون، في حقائب الرحيل، خضنا حربا وحربا وحربا، في الحرب تضيع بوصلة الله، ونحن المتناسلون في ضياع البوصلة(ص63).
فبريد الحرب معارضة فكرية سلمية للحرب بكل انواعها واشكالها، وهي مهمة في هذا الوقت بالذات لانها تتيح فرصة لفهم العلاقة بين الدولة والفرد العراقي(المعارضة الاخلاقية/ ص9). هو دعوة الرفض لعسكرة المجتمع، (النصر، ان يزداد عدد المسامير على جدران الغرف، والصور المعلقة، على اعمدة الكهرباء، والساحات العامة، وتترنح الجدران بلافتات النعي(ص88).
وادانة صارخة لحالة الموت المدني(-المعارضة الاخلاقية، ص10)، الذي تريد الحكومات المتعاقبة ان تشيده، وهي ادانة لحالة اللامساوة التي تشييدها الحروب. سبعون قرنا يجدلنا، وطنا، تبا له(ص123).
المعارض الاخلاقي يرفض المتلازمة الثلاثية الرهيبة للحرب:
الروح القومية، والدولة القوية والفرد في خدمة الدولة، وغياب الديمقراطية.
الروح العسكرية، والبطولة الخرقاء المتمثلة بعبثية القتل السادي التي ترافق الحروب.
والسلطة الشمولية التي تؤدي الى صعود القائد والبطل القومي، الحامي والناصر. وانتهاك الحريات والكرامة الانسانية.
هذه الثلاثية المغلقة في دائرة الاحتياج للهوية والفخر، والافتتان بالنموذج والمثل الاعلى المنخفض، والتعويض عن النكوص والهزيمة والخذلان. هذه المعارضة الاخلاقية الادبية والسلمية تفتح الطريق من المقاومة الفردية المعبثرة، الى المقاومة الجماعية، عبر التغني بكربلائه، (من أعلى مآذنها فجرا، تهدهدهم ليناموا، كربلائي لاتنام(ص71). وعبر الوجع المضمخ بأنين وصرخات الام المعذبة الثكلى.

About alzawraapaper

مدير الموقع