قراءةٌ في مَجمُوعةِ (العِتْقُ والسِّوارُ) الشِعريَّة للشاعر ناظم الصرخي

لطيف عبد سالم
من أجلِ إزالة التباس المعنى في ذهنِ القارئ، أجدُ من المناسبِ بدايةً أنْ ندلفَ في العتبةِ الاستهلاليَّة لمَجمُوعةِ (العِتْقُ والسِّوارُ) الشِعريَّة، بوصفها أولى العتبات التي تواجه المتلقي، وتتيح له التمعن في مفرداتها، والمتمثلة بالعُنوان: (العِتْقُ والسِّوارُ) الذي جاء حاملًا رؤية لغوية، فالمعروف أنَّ السِّوارَ يقصد به الحلية المستديرة التي ترتديها المرأة في مِعْصمها، أو في زّنْدها. وبفضل جمالها، ارتأى الشَاعِر ناظم الصرخي استخدامها هُنا بمعنى القَيْد. وأما العِتْق، فهو لغةً‏:‏ خلاف الرّقّ وهو الحرّيّة، وأعتقته فهو عتيق، ولا يقال‏:‏ عتق السّيّد عبده، بل أعتق‏.‏ ومن معانيه‏:‏ الخلوص‏.‏ وسمّي البيت الحرام البيت العتيق‏:‏ لخلوصه من أيدي الجبابرة فلم يملكه جبّار‏، في حين أنَّ العِتْقَ اصطلاحًا، يعني تحرير الرّقبة وتخليصها من الرّقّ‏.‏ ومن هُنا نستوضح قصدية الشاعِر ناظم الصرخي في صياغتِه عُنوانَ مَجْمُوعَتِه الشِعريَّة وتَّوْسِيمها بـ (العِتْقُ والسِّوارُ).
في دِيْوانِه الشَّعري الذي ضمّنه أكثر من ثلاثين قصيدة من شِّعرِي الشطرين والتفعيلة، يخوض الشاعر ناظم الصرخي في أفقٍ حياتي معاش، عاكسًا العديد من الصورِ الإيحائيَّة لبعض مما هو مألوف من اليومياتِ الحياتيَّة عبر مدلولات متعددة ومتباينة، غير أنَّ قصائِد الدِيْوان التي جاءت عبر (142) صفحة، تُعَدّ مؤتلفةً فيما بينها؛ لانسجامها في إطارِ جملة من المشتركاتِ التي تدخل في تحديدِ الملامح العامة لثيمها، إذ إنَّ التأملَ في مقاصدِ صورِ مضامينها، والاتجاه العام في رسمِ إشاراتها، يوحي للمتلقي بما يميزه الإدراك أنَّ هناك خيطًا خفيًا يجمعها، ويربط ما بينها في مسارٍ شِعريّ تبنى فيه الشاعِر بوحًا شفيفًا عن مجمُوعةِ من القضايا التي من بينها: الحبِ، الايثار والجمال المُضمَّخ بالأمل، بوصفها من أبرزِ المعايير المعبرة عن حقيقيةِ التحضر الإنساني، فضلًا عن أهميتها كمرتكزات أساسيَّة ناظمة لسلامةِ الوجود البشري، والتي تكشف بمجملها ما يكتنزه الشاعِرَ من عواطفٍ وأحاسيس متغلغلة في أعماقه، والتي تحظى باِهتمامِ مُجتمعه.
تحتشد هذه المَجمُوعة الشِعريَّة بمجموعةٍ من القصائِدِ التي اِستهلها الصرخي بقصيدةِ (عُودُ البُخور) التي يرسم فيها صورة واقعيَّة لأنموذجٍ إنسانيّ كريم يعيش بيننا، والمتمثل بالشخصيَّة المخلصة المضحيًّة، فالإنسان المتفاني فيما يكلف به من عمل، هو الإنسان المُثمر المعطاء الذي يعطي من دون التفكير بما يقتضي الحصول عليه كما هو حال الكثير من أبناء جنسه؛ لذا فإنَّه بحسب الصرخي كعُود البُخور الذي تفوح منه روائح جميلة رائعة، ويترك عبقًا زكيًا وهو يتآكل بهدوء، فيصبح المكان بعد احتراقه فواحًا بعبيرِ المثل العليا، مقاومًا الرذيلة، ومناصرًا الفضيلة.
نَدَمتُ على خَطوةٍ جَرَّحتْ
بأشواكِهَا أثخَنَتْ قَدَميْ
وَطِيبةِ قلبٍ
تكَمَّمَ فيها سؤالُ فَمي
سنينًا بطعمِ الضنَى العلقمِ
فأدمَتْ بقيدِ الهوَى
مَعْصَمي….. (ص 13).
في قصيدته (العِتْقُ والسِّوارُ) التي حملت اسم المجموعة ذاتها، يجسد الصرخي عشقه لمدينة بغداد، وهو يرى بريقها يشيخ من الأسى، فأثار فيه ما آلت إليه من أزماتٍ المواجع، وأجج حالها ما في قلبه من لهيب، فبغداد التي لثم في أريجها النهار، ورضع من ثراها العز، ومن ماء دجلتها الفِخار، وتعلم من باسقاتِ نخيلها الشموخ، لم تَعدّ كما ألفها أميرة الزمان، إلا أنَّه ما يزال متمسكًا بأملِ العِتْق.
شواهِقَ الصعابِ أرتقيها
وأعْتليها صهوةَ القرارْ
سفينتي تمخرُ في المنايا
وتستبيحُ عُذرةَ البِحارْ
لا مجدَ لي سواكِ يا مهاتِي
قُرةُ عينِ الدهرِ والمنارْ
فالتحفِي الشَّغَافَ مُستقَرًّا
تفتحِي ملءَ دمي اِخضرارْ
بغدادُ يا نافورةَ الحَكايَا
لؤلؤةٌ يزهُو بها المحارْ
بغدادُ يا موطنَ كل حُرٍّ
بغدادُ يا عِتقًا ويا سِوارْ… (ص 20 – 21).
في قصِيدته شواطئُ اليقينْ، ينتفض الشاعِر من بين ثنايا الألم، إذ إنَّ تمسكه بالأمل يجعله متيقنًا بالخلاص، حتّى وإنْ اشتدت المحن، فهو يبحث في أنفاقِ الليل مخاطبًا مدينته باعتزاز وكبرياء، مفتخرًا بعزمِ وإرادة أهلها، وكأنه يقول: إنَّ شناشيلَ بغداد لم تهرم، فهي للآن تنتصب بهيبةٍ ووقار.
قُولُوا لها المُتيمُ الحزينْ
ما عادَ بالظلالِ
يستعينْ
ما عادَ أنقاضَ دُجى
فَنجمُهُ لألاءُ كُل حينْ
قُولُوا لها
قد عربدَ الإعصارُ بالوتيـنْ
وانتفض النـُضَارُ في خريفه الضنينْ
وانبلجت شواطئُ اليقينْ
تلـوحُ للسفينْ
أدارَ في خافقِه بوصلةَ البعَاد
صارَ لحقلِ مُقلتيها
الحارسُ الأمينْ
والسِّجنُ
والسَّجانُ والسَّجينْ…. (ص 26 – 27).
وتتوالى قصائِد الديوان واحدة بعد الأخرى، تنقلُ صّورها ما يعكس تداعيات العديد من الوقائعِ والأحداث، وهي تقتفي آثار أرواحًا هائمة في رائحةِ الحرية العبقة، وأريج دماء الشهداء الزاكيَّة التي عمدت بعطرها تراب الوطن الحبيب. وقد انبلجت من ثناياها هالة من الضوء الجميل الذي يسعى إلى التشديد على ضرورةِ مواجهة الظلم الذي تمتزج فيه أصفاد العبودية والامتهان والاِستلاب، وتقويض الفساد، ومكافحة ما خلفته تداعياته من عفونةٍ، حتّى وإن وجدت لها خصوبة في أبعد زوايا المُجتمع، والتبشير بالمثلِ العليا التي تفضي إلى ملئ القلوب بما من شأنه السمو بقيمة الوجود الإنساني.

About alzawraapaper

مدير الموقع