في كتاب (حوارات ثقافية)

علي حسين الخباز
للكاتب والإعلامي خالد مهدي الشمري، تجلى الابداع بشكل مبسط حسب تشخيص الأديب عماد الدعمي؛ سعياً للكشف عن مكنونات التحاور، وهذا بدوره يحتاج الى ترسيخ قدرة معرفية قادرة على التنوع. اللقاء مثلاً مع مؤرخ بحجم سلمان هادي آل طعمة، يصل بنا الى أن تجربة جوهر كتاب تراث كربلاء التي تناول فيها الكاتب تاريخ مرقدي الامام الحسين والعباس (عليهما السلام) وتناول فيه الحوزة العلمية في كربلاء, عرفنا إثر اللقاء أن أول صحيفة صدرت في كربلاء عام 1916م وتحمل اسم (الانتقام والاتفاق)، وأول مجلة (الكوكب) عام 1931م، صدرت من متوسطة كربلاء، وبعدها مجلة (المنار) عام 1948م في اعدادية كربلاء. وتفرع كل سؤال على منهل معرفي من هذه المناهل العذبة لنطلع على تاريخ المطابع الكربلائية والنساء الاديبات والشاعرات، ومثل هذا الإصدار الثقافي يطل بنا على تنويعات وتجنيسات أدبية لها روح المغامرة، واللقاء بالروائي أحمد خلف، يحتاج الى مميزات معرفية في عالم الرواية، لنميز بواسطتها مكانة هذا الكاتب الكبير، فكانت محاورة بحجم احمد خلف، وبمستوى رؤاه، وتحتاج الى أسئلة تبلور لنا التجربة، سؤال: لماذا نكتب؟ ليتحدث عبره الكاتب أحمد خلف عن أهمية الكتابة، ودورها في ترميم حياة الانسان، فهي علاج وموقف. وحاول الكاتب خالد مهدي الشمري التركيز على سير أولئك المبدعين، ومن تلك السير تنطلق عملية الاستدراج المعرفي، الكاتب احمد خلف ينتمي الى الجيل القصصي الستيني الذي عرف بالتفرد الريادي، وتحول الحوار عند الروائي الكبير حميد المختار، الى البحث عن قضبان الحقيقة وجرأة العرض والمنهج السردي، الانتقال من التصوف والعرفان يعني الانتقال الجريء من فضاء الروح الى ملكوت الجسد، كل ذلك من اجل تسليط الضوء على ادانة حقبة سوداء لأنظمة الخور السياسي، فكانت الأسئلة هي الدليل لدخول الروائي الى حرائق الذاكرة والى السرد المنوع والاقتراب من مساحات الشعر الذي لا يعطل وظيفة السرد. يعرفنا الروائي المختار بعدم ميله الى الفلسفة، وإنما في عرض أفكار تقترب من الفلسفة وتحاديها، لكنها لا تتوغل بها، ويرى بروح التفاؤل أن هناك ثقافة عراقية رصينة ومثقفين أكفاء. وليتحدث الحوار مع القاص إبراهيم سبتي، الى عالم الذائقة الثقافية الذي اختلف وانتشر بشكل أوسع وأسهل جعل الابداع هو الفيصل بين كمية النصوص المنشورة وسجلت القصة العراقية حضورها عربياً بخطى واثقة، وكشفت عن مستوى متميز مبهر، القصة ابداع استثنائي واجه القاص الآخرين مواجهة مباشرة، محنة الثقافة العراقية لا احد يكتب عن هول المعاناة والمكابدات، كان الكاتب يخشى ان يؤول كلامه الى خانة المعارضة، كان يضمر القصة ليفتضح أساليب القمع بطريقة فنية لا يفهمها غير النخبة التي تفسر الشفرة ويعني لا بد من اختراق الحواجز الأمنية. اليوم نحتاج أن نميز بين الغث الهزيل وبين المعنى السمين، النصوص الجيدة عند الكاتب إبراهيم سبتي هي مخاضات عسيرة لإيجاد النص المقنع في ظل تراجع الاهتمام وفي ظل اللامبالاة بالكتاب الورقي. وليأخذنا الحوار الجاد مع الناقد المتميز عبد علي حسن نحو عوالم معرفة الذات من الداخل لتشكل منظومة الرؤى ووجهات النظر فيما يتعلق بالذات والذات العامة، فلابد للمبدع ان يحب الجمال؛ لكونه يسبغ على النفس إصرار التدفق الإبداعي للحياة. ويرى الناقد عبد علي حسن ان النص الإبداعي صار متفتحا امام اختيارات قرائية متعددة ومن زوايا نظر وضع النص في جدلية مستمرة وفق قراءات إبداعية اثرت النص عبر المساهمة في انتاجه عبر فعالية التأويل. وفي محاورة القاص والباحث الدكتور كريم صبح – أستاذ في التاريخ كلية التربية/ ابن رشد – جامعة بغداد، حيث يرى ان التباين بين كتابة القصة والرواية ينبغي ان يوضع في الحسبان، ان الاثنين يقومان على فكرة لكن القصة تعبر عن الفكرة باختزال واقل ما يمكن من الكلمات ليظهر التكثيف والقطعة النثرية تقتضي الفكرة القائمة على لغة موسيقية او شعرية تقرب الى ذهن المتلقي طبيعة إحساس كاتب القصة القصيرة جداً تقوم على فكرة، لكنها لا تشترط اللغة الشعرية. وأما حوار القاص ياسين خضر القيسي، أنتج الرأي الذي يقول: إن البيئة لها الفضل الأول على الكتاب؛ لأن لهم عيناً ثاقبة لا يراها غيرهم من خلال الحياة اليومية في التقاط ثيماتها. وفي محاورة الفنان مهدي هندو الوزني، يعرفنا الفنان مهدي أن المسرح أبو الفنون يجمع كافة الفنون من تصميم وتشكيل واضاءة وكذلك الموسيقى التي ترافق المشاهد المسرحية، الطقوس العاشورائية تمتلك عناصر مسرحية يمكن بعد التنظير أن تكون مسرحاً عراقياً عربياً خاصاً. وقد بحث هذه الإشكالية الكثير من المختصين بالمسرح الا اني وجدت انهم يذكرون هذه العناصر فقط دون التنظير ومحاولة جعلها مسرحاً إلا في الكتابة المسرحية ان المسرح متواجد في النص وليس له تواجد في العرض، فكان كتابي تشخيصاً للسبب الذي لم يجعل هذه الطقوس تصل الى المسرح. وفي حوار الكاتب والصحفي يحيى النجار، نرى ان له رأياً جميلاً يقول: إن تشتيت الرأي العام وبعثرته اثر كثرة الصحف والفضائيات التي لا تعني انها تدل على الحرية بقدر ما انها تفتت وحدة الرأي العام، وسائل الاعلام تحاول الدعوة الى نفسها والتخندق في احزابها بحق او بغير وجه حق وغياب المهنية وكثرة الطارئين وعدم تخصصهم قد زاد من هذه الهوة العميقة، والحركة الأدبية في كربلاء جيدة؛ كونها تمتلك روادا ومتميزين في الشعر والقصة والنقد الادبي والكتابة على مستوى العراق والوطن العربي. وفي محاورة المخرج عباس شهاب، يرى ان مسؤولية الجمهور لا بد ان يتحملها الفنان نفسه ان وجد فنان حقيقي صادق يحافظ على الذائقة العامة سوف تجد الجمهور، والعمل مع المكفوفين قيّم لنا نجاحا مهما؛ كونهم أرادوا ان ينجحوا وكان الإصرار على النجاح من الجميع، هناك صعوبات وهي كبيرة لكن الإرادة وحب العمل جعلنا نستمر للوصول الى النجاح. وقدم الصحفي خالد مهدي الشمري في حواراته الثقافية الشاعر مهدي النعيمي، الذي يرى ان دور الثقافة الكربلائية في أي بقعة من الأرض على وجه البسيطة مهما بعدت او قربت صغيرة كانت او كبيرة لها تاريخها ولها دلالاتها ولها ثقافاتها ولها رموزها، وواحدة من هذه البقع ارض كربلاء. وحاور الصحفي المثقف خالد مهدي الشمري الشاعرة مسار اليساري التي ترى الامعان في النظر يكشف معوقات كثيرة تتمثل في قلة النشاطات والفعاليات التي توظف ذوي المواهب فيها طاقاتهم وعدم التمتع بحقوقهم في الملكية العامة من مراكز ثقافية، ومنتديات حتى باتت المنظمات المدنية غير الحكومية هي الملجأ الوحيد لتنميتها. وحاور الكتاب الفنان التشكيلي فاضل ضمد، الذي يرى ان الفن الفطري له شكله الخاص ونوعه وانتماؤه الفني والتقني، الفنان الفطري برأيي لم تفسده الأفكار القادمة من غير مكان فهو ابن البيئة وهو ادرى بها. والحقيقة الفنان الفطري هو الذي يحمل المعنى الحقيقي للجمال واصول الفن وفي حواره الأخير مع الصحفي ذياب الخزاعي، جاء فيه ان مرحلة الوجوه وتصوير الأشخاص جعل العمل جاهدا للخروج في ورش للتعلم واتقان العمل بالتصوير جوانب عديدة من الحياة الخروج الى المناطق الاثرية والدينية واقتناص الصور التي تعني لقطات في غاية من الجمال تحمل العفوية حتى اطلق علي لقب القناص. كتاب حوارات ثقافية لخالد مهدي الشمري حوارات جادة ومتقنة وقدم لعامة الكتّاب كتابا متميزا تنبع منه رؤى الثقافة بما يميزها من ابداع.

About alzawraapaper

مدير الموقع