في المرآة … لا تملأ الأكواب بالماء

يحيى الزيدي

يحيى الزيدي

تمر أغلب البلدان عبر العصور في أزمات عدة ، لكن بعض الدول تخرج من ازماتها وتتعافى بسبب تكاتفها ووقوفها بشكل جاد على حقيقة الخروج من هذه الازمات .
ان من أشد الأمور صدمة او تأثيراً أن تخسر أشياءً لم يكن في حسبانك خسرانها، أن تفتح عينيك يوماً على واقع لا تريده، ان تشعر بالعوز ولن تجد من يقف بجانبك، أن تحصي عدد الانتكاسات فيعجزك العد، أن تتمنى عودة زمان جميل انتهى، أن تكتشف أن لا أحد حولك سواك، أن تتذكر إنساناً قريبا منك رحل بلا عودة، أن تنادي بصوت مرتفع فلا يصل صوتك.
قد نتعرض للجرح من أقرب الناس إلى قلوبنا ، ثم نبكي ونتوجع ونتحسر، فحجم الألم كبير، والجرح الذي صرخت منه قلوبنا بمقدار حبنا وتعلقنا بهم، والجرح الذي تسببوا فيه يساوي مكانتهم.
يُحكى أن قرية حدثت فيها مجاعة ، فطلب والي هذه القرية من أهلها طلباً غريباً في محاولة منه لمواجهة خطر القحط والجوع، وأخبرهم بأنه سيضع « قِدرا» كبيراً في وسط القرية، وأنّه على كل رجل وامرأة أن يضع في « القِدر» كوب من اللبن، بشرط أن يضع كل واحد الكوب لوحده، من غير أن يشاهده أحد.
هرع الناس لتلبية طلب الوالي، وتخفى كل منهم بالليل، وسكب ما في الكوب الذي يخصه. وفي الصباح فتح الوالي « القِدر» ، وماذا شاهد؟
شاهد « القِدر» وقد امتلأ بالماء ! ..فسأل الناس أين اللبن؟ ولماذا وضع كل واحد من الرّعية الماء بدلاً من اللبن؟
كلّ واحد من الرّعية قال في نفسه: « إنّ وضعي لكوب واحد من الماء لن يؤثر على كمّية اللبن الكبيرة التي سيضعها أهل القرية». وكلّ منهم اعتمد على غيره، وكلّ منهم فكّر بالطّريقة نفسها التي فكّر بها صديقه او جاره، وظنّ أنّه هو الوحيد الذي سكب ماءً بدلاً من اللبن، والنتيجة التي حدثت أن الجوع عمّ هذه القرية، ومات الكثيرون منهم، ولم يجدوا ما يُعينهم وقت الأزمات.
لو فكرنا قليلا في هذه القصة لوجدنا الكثير من هؤلاء الذين وضعوا الماء بدل «اللبن» في بلدنا وحولنا ..ونجد ايضا ان نفوس الناس انقسمت الى قسمين.. الأول هم اصحاب العوز الذين كانوا ينتظرون من الناس ان يساعدوهم، وما اكثرهم في بلادنا ، ولكن خاب املهم، ومات الكثير منهم .. اما القسم الثاني فهم الناس المتمكنون الذين بامكانهم مساعدة الآخرين وسد حاجتهم لكي يعيشوا معهم اخوة متحابين ، لكن البخل وتفكيرهم السيء منعهم من احتواء أرواح الناس في احلك الظروف، واعتقد ان هذا من الكبائر في قاموس الانسانية .
فمن يتسلى بمشاعر الآخرين ويتلاعب بها بهذه الصورة هو يخدع نفسـه، لكونه انسانا يشعر بالنقص ومتجرد من معنى الانسانية ،خال من المشاعر والصدق والمنطق..هؤلاء في الحقيقة صغارالنفوس ، متسلقون ، صاغرون يرثى لحالهم .
قمة الجرح أن تغمض عينيك على حلم جميل وتستيقظ على وهم مؤلم.. أن ترى الأشياء حولك تتلوث وتتألم بصمت.. أن تقف عاجزاً عن الإحساس بشعور جميل.. أن تمد يدك لانتشال أحدهم فيحاول سحبك لإغراقك معه.. أن تشعر بأنك خسرت أشياء كثيرة لم يعد عمرك يسمح باسترجاعها.. أن تلتقي شخصاً شاطرك نفسك يوماً ما فتكتشف أن مشاغل الحياة قد غيبتك عن ذاكرته تماماً.. أن تمر عليك لحظة تتمنى التخلص فيها من ذاكرتك.
وفي الختام ..لاتستقيم الحياة الا بتكاتفنا وتراحمنا وتضافرنا، والاقتراب من بعضنا البعض في السراء والضراء.

About alzawraapaper

مدير الموقع