فلسفة جديدة لإدارة الدولة العراقية

عدالت عبدالله

عدالت عبدالله

ليست هناك نظريات سياسية وإدارية جاهزة لإدارة الدولة بدون اخذ بعض الخصوصيات التاريخية والمجتمعية والثقافية للدول، بنظر الاعتبار. ومن بداهة القول أن ثمة فرادة جزئية، أو نسبية تتميز بها أحوال الدول والمجتمعات، وتجعلها متمسكة بخصوصياتها النسبية، فضلاً عن توجيهها الواعي لمطامح مقارنة الذات بالآخر، والإفادة من تجارب الدول الأخرى والمراحل التاريخية التي مرت بها والتحديات التي واجهتها.
هذه الفرادة والتميز، لا تعنيان، دون أدنى شك، تعطيل التطلعات أو الانفتاح على الآخرين بذريعة الخصوصية. فإذا كُنا ننتقد دوماً، على الصعيد الفكري والفلسفي، دعاة الأصالة بسبب وصولهم لحد الإنغلاق وتجميد الذات، فلا يمكن ان ندعم أيضاً أية عقليات سياسية وإدارية تدير الدولة بمفاهيم قروسطية بالية، أو من خلال نظريات ثقافوية تنبذ كل ما هو جديد ومنتمٍ لعالم الحداثة (Modernity).
ولا يمكن أيضاً أن تصمد اليوم أي دولة، مهما كانت، أمام حركة التاريخ بعقليات متأخرة، فالعالم، كما هو ظاهر للعيان، لاسيما في عصرنا المعلومي هذا، والذي تتحكم به الثورات العلمية والتكنولوجية والاتصالاتية ويتمظهر في طغيان العولمة Globalization بأبعادها السياسية والاقتصادية والثقافية والإعلامية، تغير اليوم كثيراً، ولم يعد بالإمكان وضع أية حواجز فولاذية قائمة على الآيديولوجيات الخانقة، أو العقائد المتزمتة، وبالتالي الإنغلاق بوجه المنجزات العالمية والأفكار والنظريات المتطورة في كل الحقول، أو تحدي الأسواق والأموال المُعولمة، أو الثقافات والحضارات العابرة للقارات..!
ولا يمكن مقاومة كل ذلك بخطاب «الغزو الثقافي» أيضاً، الذي أصبح عبئاً على الفكر والعمل والمبادرة، بل لا يمثل سوى التخلف عن العصر والحياة المعاصرة، فما بالك في بلد يدعي أنه مهد للحضارة الإنسانية وأرض الأنبياء، الذين نعلم أن معظمهم كانوا ذوي رؤى عالمية طموحة ومنفتحة، توخت حياة أفضل للإنسانية وإرساء قيم الحرية والعدالة والإخاء والسلم ومواجهة الظلم والاستبداد والعبودية.
وبهذا المعنى، لا معنى لأن تُدار الدولة اليوم أيضاً بطريقة متخلفة طالما لاتتفق وروح العصر والرأسمال التاريخي للبلد، وحتى إذا انعدمت نظريات جاهزة وقابلة للتعميم في إدارة البلدان، فلا يعني هذا أن تتأثر الدول بالتجارب التي تقوم على خطاب الخصوصية، لاسيما الخصوصية الدينية والثقافية، التي هي، في النهاية، شأن مجتمعي وفردي، لا يمت بالأسس العلمية لإدارة الدولة الحديثة، بصلة، ولا يخدم أي نخبة سياسية وإدارية في تحقيق مشاريع وتطلعات استراتيجية، والحديث هنا طبعاً هو عن العراق والدولة العراقية، التي هي اليوم في دوامة تاريخية خطيرة، وعليها أن تُراجع فلسفته في إدارة الدولة مراجعة كُلية وشاملة، لحد الوصول الى تعديل حتى بعض من المواد الدستورية، وكذلك رصد كل الإخفاقات الإدارية والسياسية التي تتعلق بطغيان العقليات الدينية والطائفية والقومية والجهوية، لاسيما الممارسات التي دمرت كل البنى الحديثة للدولة، والتي تقوم- كما نعي ذلك جميعاً دون أن نطبقها!- على مفاهيم الديمقراطية وحقوق الإنسان والمواطنة وسيادة القانون والحريات السياسية والمجتمعية.
بمعنى آخر، ان العراق، بلد غني في مجالات شتى، ولا ينقصه شيء سوى الحد من فلسفته العقيمة الحالية في إدارة الدولة، والخروج من صمتها أمام غطرسة خطابات وممارسات طائفية وقومية وحزبية في البلاد، لم تكن أبداً وما تزال سوى جرثومة خبيثة في جسد وروح الدولة العراقية وستبقى كذلك طبعاً ! طالما افتقرت هذه الأخيرة للمناعة اللازمة، وقلبت أمام أعين الشعب والعالم باستمرار الفساد السياسي والإداري والأخلاقي، الناتج عن غياب المُحاسبة وفقدان الدولة لسلطانها واتزانها أمام هذه الظواهر المزرية التي تعيشها البلاد.
نعم، ينبغي الابتعاد الفكري والذهني أولاً عما هو سائد ومتموضع كحالة (طبيعية!) في روح الدولة العراقية، ومن ثم الشروع في مواجهة النخب الفاسدة عملياً، وذلك من خلال اتخاذ إجراءات قانونية تُعبر عن علو سلطة القانون على الجميع واولوية سلطان الدولة ومؤسساتها، ورفض هيمنة الأحزاب والطوائف والمذاهب على مقدرات البلاد والعباد.
وعلى رأس قائمة الإجراءات الآنية والضرورية اليوم، هو الإسراع في محاكمة الفاسدين والمتعبثين في أموال البلد وخيراته، واستبعاد النخب غير الكفوءة في مرافق الدولة وأجهزتها المختلفة، وتدعيم المؤسسات الرقابية وهيئات المحاسبة والمسائلة والمعنيين بضمان النزاهة الإدارية والسياسية في إدارة الدولة والمجتمع.
كما وإعادة الاعتبار الى الشخصيات التكنوقرطية المستقلة في البلاد، أو الذين من أصحاب العقول، غير أنهم تركوا العراق لأسباب أمنية ومعيشية، وكذلك التخطيط للاستعانة بخبرات الدول الأخرى المتقدمة، بل حتى ممارسة التقليد المثمر والناجع أيضاً لأية مشاريع استراتيجية ونهضوية ناجحة للدول التي شهدت الحروب ولكنها سرعان ما نهضت من جديد وبصورة أفضل من الماضي، هذا فضلاً عن ضرورة تمويل المشاريع الخاصة بالتنمية البشرية، وأمور أخرى كثيرة لا تُعد ولا تحصى.. باختصار شديد، العراق، بحاجة الى العافية والخلاص من الحروب والخراب والفتن والفساد، أنه وبحق يستحق أن يعود الى دوره الريادي في المنطقة وأن يُحدث قطيعة سياسية وإدارية وثقافية واجتماعية مع كل ما تسبب في تعطيل وشل قدراته الاقتصادية واستثمار ثرواته الطبيعية ورأسماله الإنساني، الذي أفقرته الحروب والإرهاب والفتن الطائفية والعرقية والمذهبية. العراق جدير بأن يكون «دولة قوية» بالمعنى العريض للكلمة، ولكننا نعلم تماماً أن ذلك عسير المنال بل من سابع المستحيلات إذا ما لم تُبادر الدولة بنفسها والنُخب المسؤولة عن البلد بترسيخ مقومات الدولة الحديثة: دولة الحريات، وسلطة القانون، والمواطنة وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية.
عن ايلاف

About alzawraapaper

مدير الموقع