فضاء ضيق.. تحليلية الرؤية الروائية للأجواء العراقية

معتز محسن عزت
الزوراء/ خاص
تعتبر رواية (فضاء ضيق) للروائي والصحفي العراقي علي لفتة سعيد من الروايات المنتمية للمدرسة التحليلية النفسية حيث التعمق في أغوار المجتمع العراقي الذي مرّ بتحولات شتى عبر تاريخه الحديث والمعاصر، من خلال أجواء شخصية محسن البطل الرئيسي الذي تتبعناه عبر قراءتنا للأحداث المتشابكة من خلال الراوي العليم والراوي غير المباشر العائد بضمير المخاطب من خلال توحّده مع البطل لإيضاح التفاصيل الداخلية للرواية.
ركز لنا الكاتب على حالة التيبّس المزمنة التي لازمت نساء العراق في حروبه المتتالية منذ حرب العراق وإيران حتى الحرب الحالية ضد داعش و أخواتها مع كثرة الأيامى عنوان المرحلة النسائية العراقية ما بين تيبّس حتمي و تيبّس معنوي في أغوار الرواية ما بين شخصيتي سلوى و حمدية ضحيتا محسن ما بين الإكراه و الاختيار.
تتصاعد الأحداث عبر الصراعات الأيديولوجية ما بين حليم (المقدّس) و علاء (المدنّس) اللذين اجتمعا في شخصية محسن (المقدس) ذلك المصطلح المبتدع والمختلف من يراع الكاتب كنوع من أنواع الابتكار للألفاظ الحديثة المتماشية مع مستجدات الأمور المتلاهثة بناءً على تطورات الأحداث السياسية.
يحسب للكاتب حرصه الدائم عبر سرده الروائي بسليقته الصحفية، تركيز الضوء على السلبيات والملاحظات الاجتماعية التي انتابت العراق على مر أربعة عقود شهدت التحولات الكبرى في السليقة العراقية منذ حرب الخليج الأولى وهي وقت، حرب العراق مع إيران على مدار ثمان سنوات ثم الانتقال من سيئ إلى أسوأ في الحرب الخليجية الثانية وقت غزو الكويت و الإعداد لترهل الأركان العراقية إلى أن وصلنا للخاتمة المحزنة عبر سيمفونية الكآبة و الندم بالغزو الأمريكي لبابل العتيقة.
هكذا اتضحت لنا الرؤية التحليلية الصحفية بسليقة الروائي المسخر للرواية رؤية صاحبة الجلالة للكشف عن بواطن الأمور مثلما كان يفعل الكاتب الأمريكي الكبير إرنست همنجواي، و هذا ما وجدته في مدى تأثره الكبير بالعلم الأمريكي الفائز بنوبل سنة 1954 عن تحفته الرائعة (العجوز و البحر).
ما أسعدني في تلك الرواية الغلاف المعبر عن ضيق الفضاء الرحب في عيون من عانوا الحرمان من الوطن و خسروا زهوه من أجل حفنة أوهام تضحك على الجميع بقدوم الخير عبر رياح التغيير الآتية بشكل عكسي، تحت إمرة قوى الغرب الشرسة المحتلة لأراضينا عبر مرحلتين، الأولى بالقوة الناعمة والثانية بالقوة الخشنة حيث التوكيد على التمهيد الناعم لاختراق أصحاب الحضارات العريقة لوجود سليقة الحقد الحضاري لأصحاب الحضارات الرقيعة في زمننا الرقيع.
دخان الغلاف الخارج من الشخص الوهمي هي صورة لمتمرّد الفن التشكيلي السلفادور دالي المتنبئ بهزلية وعبثية المستقبل و التي ترجمها عقب حدوثها الكاتب في روايته من خلال النموذج العراقي الذي عانى التمسخ منذ الثمانينيات وحتى الآن من خلال القمع الممنهج بدءًا من هدم المكتبات والمتاحف ونهايةً بهدم الإنسان وإفناءه من أجل الفراغ اللامع.
تجسّدت تلك البانورامية الروائية من خلال تروسها عبر الشخصيات المتناحرة بين أجواء أيديولوجية متنوّعة هي العامل الأساسي بوضع العراق في هذا المصير المجهول الذي لا يمثل إلا نتيجة فراغٍ رياضي أصبح إنسانيًا وسياسيًا للتوهان الدائم بين البشر في الجزر المنعزلة التي تفتت ما بين شيعي و سني وداعشي وهذا ما وجدناه في المشاهد الساخرة للدعايا الانتخابية عبر الراوي العليم.
كل هؤلاء نسوا القبلة الموحدة للبشر ألا وهو الوطن الجامع للجميع، ما دام التراب مرحبًا بجميع الأجساد وقت الرحيل دون التمييز العرقي و الديني، لسماحة الإنسانية التي أتت من الأديان حتى لا يخسر الجميع ولكن وجدنا عبر كلمات علاء (المدنّس) مواجهًا حليم (المقدّس) في معترك تنظيري على أن الدين لم يجلب للناس إلا الصراع والشقاء، ليخرج حليم بسماحته المصاحبة له طوال الرواية بردودٍ تسعى لإصلاح وجه الدين من تلك التهم الملتصقة به عن طريق الحوار البديع المأمول من بين صفحات الرواية لتحويله إلى واقع ملموس.
تظل الصراعات دائرة عبر الراوي العليم و الضمير الغائب في تمازجٍ بديعٍ يختلق نوعًا جديدًا من توحيد كل الضمائر في الراوية للأحداث كشهود عيانٍ على تحوّلات الوطن، خاصةً في حالات التيبّس الأنثوية المصاحبة لمحسن وقت مغامراته المتعطّشة لحنين الجسد ما بين سلوى وحمدية ضحايا العنترية الزائفة من الساسة و الحكام.
لم تكن الرواية سوداوية للدرجة المتناهية بل خرج من بين صفحاتها الباكية عبر الدموع المضيئة للأمل بأن الأفضل قادم حتى بموت علاء وذلك بوجود محسن في القاهرة هو و رفاقه مع التطواف الجميل بعيون عراقية حول القاهرة بمعالمها الساحرة مع الملازمة الدائمة لتمثال محفوظ بميدان سفنكس الملهم للخروج من الأزمة، وقت إبداع محسن لأعماله الروائية محل النقاش والترحاب من المحروسة الفاتنة.
أراد سعيد أن يؤكد على التواصل الحضاري بين مصر والعراق منذ القدم وحتى أيامنا الحالية كدعوة جدية لنبذ التشرذم و التفرقة عبر رحيق الحضارة ومداد الأدب لتعويض ما أفسدته السياسة بيننا كبشر ومبدعين يسعون للتغيير من أجل الأفضل دائمًا.
نجح الكاتب في تضفير شخوصه مع تضافر الأحداث ليخرج لنا تحفةً إبداعية تسعى للتوثيق من أجل الأجيال القادمة حتى لا يتيبسوا كما هو حادث لأجداد المستقبل.

About alzawraapaper

مدير الموقع