فجر الحقيقة وليل الخوف

احمد الجنديل

احمد الجنديل

في العالم الثالث الذي بدأ ظهره ينحني من كثرة التصدعات التي يعاني منها ، ولا زال لسانه يقذفنا بكل التصريحات النارية التي تزيدنا قناعة كل صباح بأن السياسيين لدينا عشاق كلام ، وهواة تصريحات ، وأصحاب بنوك في البلاغة القائمة على التفخيم والتعظيم .
في هذا العالم الذي يرى أن الخلاف في الرأي مشروع قتال ، والبدء بمعركة ولابد أن يعد لها كل مستلزمات النصر المبين من اجل البقاء على عرش الحكم ، حتى لو كلفتهم معارك الخلاف أنهارا من الدم .
في عموم العالم الثالث حاضنة غريبة ومن طراز عجيب تقلب لك الهزائم الى انتصارات ، وتوهمكَ على انك أحد أبطالها والمساهمين في صياغتها ، وفي عموم هذه المنطقة المتخمة بشتى الاساطير والفوازير يجلدكَ أهل الرأي بسياط اجتهاداتهم التي لا تعرف الصدق ، ولا تقترب من الحق ، ولا شأن لها بالحكمة ، ويحذرونكَ من كشف المستور الذي أوصل المنطقة الى أسفل سافين خوفاً من اطلاع الأعداء على حقيقة ما يجري ، وأصحاب الرأي يدركون جيداً أن ما يحصل في عموم المنطقة وصل الينا من مصانع الاعداء ، فهم يخططون وعلينا التنفيذ ، وهم يأمرون وعلينا الطاعة ، وهم يكذبون علينا وعلينا التصديق ، وهم يشهرون سيوفهم ونحن نسرقها من قبضاتهم لنقاتل بها بعضنا البعض ، وعندما تصل الفجيعة الى أعلى مراحلها ، يخرج أهل الرأي بنصائحهم الذهبية المرصعة بياقوت البلاغة وزمرد الفخامة ، وهم يهمسون في آذاننا بضرورة التحلي بالصمت خوفا من وصول أفعالنا المخزية الى الاعداء ، وخوفا من شماتة العدو بنا ، واذا ما خرج أحد من هذا العالم وواصلَ الصراخ ، هبّت جحافل المصلحين لتضعه في خندق الاتهامات ، وتسدد له سهام التخوين ، وتدفعه الى زاوية التهديد ، خوفا على المصلحة العامة من اصابتها بالزكام الفكري .
في هذا العالم الذي يطلق عليه منطقة الشرق الاوسط والاقصى والادنى ، وكثرت التسميات عليه ، يكون العدو اللدود ليست الامبريالية المتوحشة ، ولا الصهيونية أو الماسونية ، ولا هيمنة القوى الكبرى ، ولا الخيانة التي توارثها البعض عن أجدادهم ، ولا أصحاب النفاق والشقاق ، انما العدو الحقيقي المرعب الذي يفتك بمصير هذه الشعوب هو الخوف من قول الحق ، والوقوف بشجاعة بوجه الباطل ، والتصدي الحازم لكل مظاهر الظلم والانحراف .
ما تعانيه المنطقة برمتها لا يكمن في وضوح المنهج او عدم وضوحه ، وانما في غياب المنهج القادر على شحن الشعوب بالقوة لبناء مستقبلها ، وتفضيل حياة الذل والخنوع والاستكانة على حياة النهوض باقتدار وشجاعة لبناء حياة قائمة على مبادئ العدل والصدق والانصاف وبعيدة عن مظاهر الدجل والكذب والتبرير .
الى اللقاء .

About alzawraapaper

مدير الموقع