عيد الجيش عيد لكل العراقيين

سعد محسن خليل

سعد محسن خليل

ليس صدفة ولا في موعد مسبق فكلها ايام وتزامن احتفال البلاد بيوم النصر مع عيد تاسيس الجيش العراقي العيد الذي يمثل لكل العراقيين يوما شامخا لما يحتله هذا الجيش من مكانة بين ابناء الشعب الواحد فهو جيش كل العراقيين يدافع عن اسوار العراق ويحفظ الامن والنظام في الداخل من الدخلاء الذين يتربصون شرا بهذا البلد الامن .. في السادس من شهر كانون الثاني 1921 تاسيس جيش عراقي وطني بقيادة وزير الدفاع انذاك جعفر العسكري .. في ذلك الوقت اصبح للعراق جيش مستعد للدفاع عن ارضه حيث تاسس اول فوج سمي في وقتها فوج « موسى الكاظم « وقد ضم عدد كبير من الضباط العراقيين الذين تدربوا او مارسوا المهنة العسكرية خلال وجودهم ضمن تشكيلات الجيش العثماني خلال الثورة العربية الكبرى ثم بعد ذلك تاسست القوتان الجوية والبحرية حتى بات الجيش يضم اربع فرق كانت الاولى والثالثة مقرها بغداد بينما الفرقة الثانية مقرها كركوك والرابعة مقرها الديوانية وتعزز الجيش بعد مروره بسنوات عجاف بظهيره الحشد الشعبي لضرب عناصر داعش الارهابية ليؤسس تلاحم نصر عظيم احتفلنا قبل ايام به بعد انهاء صفحة داعش في العراق الى الابد .. وللجيش العراقي تاريخ حافل بالانتصارات والحكايات الجميلة ومن الحكايات الطريفة التي تروى عن اهتمام الانظمة التي حكمت العراق بالجيش من ايام النظام الملكي ان الامير عبد الاله الوصي على عرش العراق كان متمسكا بتقليد سنوي وهو ان يدعو تلامذة الكلية العسكرية الى بيته « قصر الرحاب « لتناول وليمة العشاء معه بعد اجتيازهم الامتحان النهائي احتفالا بتخرجهم و استلامهم رتبتهم كضباط رتبة ملازم ثانٍ. حدث مثل ذلك عند تخرج دفعة عام 1951 فدعى الخريجين ليتناولوا العشاء التقليدي معه في قصر الرحاب ورغم ان عميد الكلية قد القى على الطلبة محاضرة قبل حضورهم الوليمة في آداب السلوك الرسمي واصول الولائم الملكية فإن اكثرهم كانوا قد انحدروا من عوائل شعبية بسيطة واحيانا من القرى النائية في العراق دون ان تكون لهم أي خبرة سابقة في الولائم الراقية .
ولكن سرعان ما اختلطت عليهم القواعد والاصول وراحت قطع اللحم وافخاذ الدجاج تتطاير يمينا وشمالا وتقفز من صحن الملازم محمد الى حضن الرئيس الاول حمد وبالعكس نتيجة سوء استعمال الشوكة والسكينة .. ضاعت عليهم لذة الاكل والشرب و بدأوا يشعرون وكأن هذه الوليمة اصبحت عليهم مثل معركة عسكرية مشقة اكثر مما هي متعة.. فلاحظ الامير عبد الاله ذلك فألقى من يديه الشوكة والسكينة جانبا وتوجه اليهم قائلا «يا اولادي لا تتكلفوا معي اريدكم تعتبرون هذا البيت مثل بيتكم وتاكلون كما تفعلون بين اهلكم في بيوتكم».
ثم دفع الشوكة والسكينة جانبا وبدأ يأكل بيديه. فزال التكلف وانطلق الطلبة في الاكل على طريقتهم الشرقية التقليدية.. يغرفون الباميا على الدجاج والتمن على الحلاوة والسمك على الشوربة وعلى ما يحلو لكل منهم و يطيب.
كانت الوليمة قد اقيمت في حديقة القصر ولدى انتهائها انفض الحاضرون للتجول في الحديقة وتبادل الحديث، غير ان نفرا منهم توغلوا الى ما هو ابعد من ذلك فدخلوا بهو القصر وتجولوا في الغرف وهناك وجدوا في احدى الزوايا علبة من حلوى المن السما بالفستق.. ففتحوها ولما استطابوا طعم محتوياتها واصلوا الاكل منها حتى اتوا على نهايتها فأغلقوا العلبة واعادوها الى مكانها كما كانت ولكن فارغة بالطبع !!.
بعد هنيئة من الوقت جمع الوصي الحاضرين ودعاهم لمشاهدة داخل القصر فراح يطوف بهم
في الغرف والحمامات حتى وصل بهو الاستقبال فالتفت اليهم وقال «ومن حسن الصدف يا اولادي انه وصلتني اليوم من تركيا علبة من السما من نوع ممتاز اسمحوا لي أن اشارككم بها قبل ان تغادروا البيت»
التقط العلبة من مكانها فوجدها خفيفة على غير ما كان يتوقع فتحها فإذا بها فارغة كليا من أي شيء اسقطها من يده وشعر بالحرج وكأنه كان يعمل مقلبا عليهم و يستهزئ بهم غير ان التلميذ الضابط المسؤول عن اكلها اسرع لنجدته بكثير من الشجاعة تقدم الى الامام و قال «آسف سيدنا. انا والزملاء معي دخلنا قبل شوية في الصالون و شفنا علبة المن السما واكلناها تعذرنا سيدي».
ساد صمت رهيب جوانب البهو ولم يعرف عميد الكلية العسكرية ماذا يقول او كيف يعتذر عن تلاميذه.
ولكن الامير عبد الاله اغناه عن الاعتذار التفت الى التلميذ الضابط المسؤول عن الوقيعة وقال له «احسنت والحمد لله الآن فرحتوني انا قلت لكم ان تعتبرون هذا البيت بيتكم والان انتو تصرفتوا تماما كما لو كنتم في بيتكم و عوافي عليكم كل هالمن السما».
استحسن الحاضرون كلماته فازدادوا انشراحا وانطلاقا في تلك الامسية من امسيات ايام الخير. وبقيت ذكراها في انفسهم الى يومنا هذا يروون حكايتها.

About alzawraapaper

مدير الموقع