عودة الروح العربية

سهى الجندي

لم تكن رواية «عودة الروح» لتوفيق الحكيم خاصة بحقبة زمنية معينة ولكنها رواية رمزية تنطبق على الانسان في كل زمان ومكان، لأنها بحثت في روح الشعب وليس زمانه أو مكانه او طبقته الاجتماعية والاقتصادية أو مستواه التعليمي أو ديانته. فقد عرضت تاريخ مصر منذ الفراعنة حتى استقلال مصر، والروح التي عادت هي تلك الروح التي حاربت الحكم العثماني والاحتلال الانجليزي، وهي الروح التي عبرت عنها بضعة سطور عندما طلب المصريون من المحتل الانجليزي المغادرة بعد أن هزم الحكم العثماني في الحرب العالمية الأولى، فقال المحتل الانجليزي «من أنتم؟» فكان الرد «نحن الشعب المصري». أي ذلك الشعب العريق الذي له روحه الخاصة بعيدا عن الأتراك والانجليز.
يبدو أن الروح عادت الى العرب من جديد، فنسوا طوائفهم التي فرقتهم وجعلتهم يقتلون بعضهم البعض في لبنان والعراق والتقسيم وفقا لشتى المعايير في سائر الدول العربية، فخرجوا يطالبون بحقوقهم بجميع أطيافهم وأديانهم وطوائفهم، وفهموا أخيرا أن الفقر لا دين له والإرهاب لا دين له والفساد لا دين له، وأنهم شعوب غرر بهم فانقادوا لزعامات أوصلتهم الى الفقر والفساد والاحتراب الداخلي، وأن كل العلاقات زائفة ما عدا علاقة الفرد بأرضه ووطنه، وإذا ما رسخت هذه العلاقة ونظمت بالعدل، فكل شيء يستقيم تلقائيا، ويصبح الانسان حرا في عقيدته وسلوكه ما لم يتغول على حقوق الآخرين ويأكلها.
من قال أن الحياة الدنيا ابتلاء وامتحان لكي تقسم الناس الى أهل الجنة وأهل النار؟ ومن قال أن الزهد فيها يوصلها الى النعيم في الآخرة؟ إن الحياة حق للجميع ويجب أن تعاش وأن توزع نعماؤها على الناس جميعا بالتساوي، بعيدا عن الآخرة ويوم الحشر، فتلك أمور لا يعلمها سوى الله، أما البشر فقد ولدوا لكي يعيشوا، لا لكي يعيش بعضهم فقط بينما الآخرون يقضون عمرهم بالكد والعمل والسعي والصراع المر لكي يعيشوا، هل قالت الأديان هذا؟
طالما حثت الأديان الإنسان على النظر الى الحياة بوصفها جزءا ضئيلا وتافها فهي الحياة الدنيا أما الحياة العليا، فهي هناك في السماء عند الخالق وبالقرب منه في جنة الرضوان، فانساق الناس خلف دعاتهم ليستفيقوا على واقع مرير ومعيشة أقرب للموت منها الى الحياة، وفهموا أخيرا أن لهم الحق في الحياة الكريمة بصرف النظر عن أي صبغة اصطنعت للتفرقة والعداء وهضم الحقوق وإلحاق الوطن بأسياده الباشا والخواجا والإمام.
تأخروا كثيرا، وفهموا ما فهمته الشعوب منذ قرون، وهو إقامة العدل بعيدا عن أي اعتبارات، فاختاروا رجلا أسود ليحكم شعبا أبيض في معظمه، لأنه كفؤ ويده نظيفة ولأنه قائد فعال ولم يرفضوه لأنه من أصول أفريقية، واختاروا امرأة لنفس الأسباب ولم يقولوا أنها «ناقصة» لأنها تحيض وتلد، فعادت لهم الروح واستمتعوا بحياتهم وأصبحوا سادة الأرض، فهل فعلا فهم العرب الدرس أم أنهم حين يشبعون، سيعودون الى تقسيم بعضهم في فئات حسب شتى المعايير؟ لقد كان الدرس مؤلما جدا، دفع العرب ثمنه من جيوبهم وأرواحهم، فإذا عادوا للفرقة والانقسام مرة أخرى، فهذا يعني أنهم ليسوا جديرين بالحياة أصلا ولا حاجة للروح أن تعود إليهم من جديد.

About alzawraapaper

مدير الموقع