عوامل مؤثرة في أسواق النفط

وليد خدوري

تتباين الآراء والتوقعات حول ميزان الطلب والعرض النفطي خلال المرحلة القريبة المقبلة، وبالذات قبيل اجتماع المجلس الوزاري المقبل لمنظمة «أوبك» خلال شهر مارس (آذار) المقبل. فهناك خلافات في الرأي حول مدى التأثير السلبي للمفاوضات التجارية الأميركية – الصينية على الطلب على النفط، رغم التوصل إلى الاتفاق المرحلي الأول للاتفاق التجاري في منتصف شهر يناير (كانون الثاني) الجاري.
أثارت هذه المفاوضات الخوف في الأسواق العالمية من إمكانية نشوب حرب تجارية ما بين أكبر دولتين اقتصاديتين في العالم واحتمال توسع آفاقه ليمتد إلى حروب اقتصادية أخرى ما بين الولايات المتحدة ودول أخرى، نظراً للطريقة التي يدير بها الرئيس دونالد ترمب المفاوضات التجارية بالتهديد والوعيد إلى أن يتحقق من اكتساب مواقع جديدة للولايات المتحدة. وقد فتح ترمب أبواب المفاوضات التجارية هذه مع الصين ودول السوق الأوروبية المشتركة. كما أعاد بحث وتعديل اتفاقات النافتا مع الجارتين كندا والمكسيك.
أثارت هذه المفاوضات المتعددة الصخب الإعلامي التي صاحبها الانطباع بأن الولايات المتحدة كانت الطرف الخاسر في كل منها، من ثم أعلن الرئيس ترمب أنه قد آن الأوان لتعديل نصوص هذه الاتفاقات لصالح الولايات المتحدة. وكما هي عادة الرئيس ترمب المعهودة وغير المألوفة في السياسة الدولية، على الأقل بالنسبة للدول الكبرى، في إلقاء اللوم – لما وصفه بـ«سوء» مجمل هذه الاتفاقات – على تقصير وأخطاء الرؤساء السابقين، بالذات مسؤولية الرؤساء الديمقراطيين، أثار هذا التخوف الذعر في الأسواق، وقد أدى إلى انكماش الاقتصاد العالمي خلال هذه المرحلة، الأمر الذي يتوقع البعض أنه سيلقي ظلاله على الطلب النفطي.
كما يسود الحذر الأسواق النفطية هذه الأيام أيضاً من المخاطر المترتبة على نشوب فيروس كورونا في الصين وانتشاره إلى دول أخرى بسرعة. وبما أن إحدى إجراءات الوقاية، كما بادرت السلطات الصينية باتخاذها هي الحجر على مدن بأكملها والتحذير من السفر، خاصة، الجوي منه، فتتخوف الأسواق من انكماش حركة السفر الجوي خلال الفترة المقبلة، إلى أن يتم التأكد من القضاء على الفيروس واضمحلال خطورة انتشاره السريعة والواسعة. من ثم، التخوف من انكماش الطلب على السفر الجوي والسياحة.
تتباين التوقعات حول حجم انخفاض الطلب على كل من هذين العاملين، كساد الاقتصاد العالمي بسبب مخاوف الأسواق من مخاطر حروب تجارية تقلص حجم التبادل التجاري. كذلك، ما هو مدى انخفاض السفر الجوي وما هو تأثير هذا الانخفاض في حال حصوله على الطلب العالمي للنفط. لكن، لا تنحصر التباينات في التوقعات على مدى إمكانية انخفاض الطلب على النفط. فهناك أيضاً وفي الوقت نفسه، احتمالات مختلفة حول مدى زيادة إمدادات النفط الصخري الأميركي.
تشير التوقعات إلى أن زيادة الطلب على النفط خلال العام الجاري تقدر بنحو مليون برميل يومياً، بينما زيادة الإمدادات تقدر بنحو مليوني برميل يومياً، بما معناه أن العرض سيفوق الطلب نحو مليون برميل يومياً، ولربما حتى أكثر، حسب بعض التوقعات.
من الملاحظ أن معظم الإمدادات النفطية الإضافية خلال عام 2020 ناتجة عن احتمال زيادة إنتاج النفط الصخري الأميركي نحو مليون برميل سنوياً، مما يعني أن نصف زيادة الإمدادات النفطية من خارج أقطار منظمة «أوبك» هي من الولايات المتحدة. ومن الجدير بالذكر أن إنتاج النفط الصخري الأميركي قد ازداد إلى نحو 7 ملايين برميل يومياً، ليصل مجمل إنتاج النفط الأميركي (التقليدي والصخري) نحو 13.5 مليون برميل يومياً، أي أن إنتاج الولايات المتحدة قد ارتفع إلى مصاف إنتاج الدولتين النفطيتين الكبريين، السعودية وروسيا.
هناك خلاف في الآراء حول صحة التوقعات بازدياد إنتاج النفط الصخري الأميركي نحو مليون برميل يومياً خلال كل سنة من أعوام النصف الأول من عقد العشرينيات، وابتداء من عام 2020. هذا التباين في الآراء مطروح في دراسات وتوقعات كبرى شركات النفط الأميركية، هذا بالإضافة إلى خلافات التوقعات ما بين إدارة معلومات الطاقة الأميركية التابعة لوزارة الطاقة الأميركية ووكالة الطاقة الدولية من جهة، ومنظمة «أوبك» من جهة أخرى. يكمن الخلاف حول عدة أمور: مدى حجم الاكتشافات التي تم تحقيقها فعلاً في حوض برميان العملاق الذي يمتد في كل من ولايتي تكساس وأريزونا. هناك بعض التقديرات التي تشير إلى أنه قد تم اكتشاف نحو مليون برميل من النفط الصخري في هذا الحقل، وأن هذه الإمدادات جاهزة للإنتاج وحتى التصدير، في حال تشييد البنى التحتية اللازمة من أنابيب وخزانات وموانئ تصدير، وأن تشييد البنى التحتية اللازمة هو قيد التنفيذ وأنه سيتم استكمال جزء كبير من هذه المنشآت خلال هذا العام، وسيتم استكمال بقية البنى، بالذات التصديرية منها، خلال العام المقبل. والسؤال: متى سيتم الانتهاء من تشييد جميع هذه المنشآت؟ هل سيتحقق هذا خلال النصف الأول من العام، أو في نهاية عام 2020؟
برز مؤخراً عامل إضافي تتباين حوله التوقعات بالنسبة لحجم الإمدادات المتوقعة في الأسواق خلال الربع الأول من العام أو خلال عام 2020. وهذا العامل الجديد هو تدهور الأوضاع السياسية في ليبيا، رغم قرارات مؤتمر برلين. لقد تحول الصراع في ليبيا ما بين نزاع مناطقي وعشائري داخلي، إلى صراع إقليمي متعدد الأطراف لكل منها جماعات مسلحة تتصارع على الأراضي الليبية. أدت هذه النزاعات مؤخراً إلى إقفال عدد من الحقول (الشرارة والفيل)، وإلى توقعات تشير إلى احتمال انخفاض الإنتاج النفطي الليبي من نحو 1.5 مليون برميل يومياً إلى أقل من 100 ألف برميل يومياً، وإلى إغلاق أعداد أخرى من موانئ التصدير، بالإضافة إلى تلك التي تم إقفالها مؤخراً في المنطقة الغربية من البلاد.
من المتوقع أن يدرس الاجتماع الوزاري لمنظمة «أوبك» في اجتماعه المقبل في شهر مارس ما إذا كان يتوجب على المنظمة وحلفائها من المنتجين غير الأعضاء في المنظمة تمديد سياسة تخفيض الإنتاج المعمول بها. وفي حال التمديد، وهو الأمر المتوقع، ما هو معدل تخفيض الإنتاج للفترة المقبلة؟ سيؤثر التباين في التوقعات على القرار الذي ستتخذه المنظمة وحلفائها (بالذات روسيا). وسيكمن التحدي في تباين المعلومات ومصالح الدول المعنية.
*نقلاً عن «الشرق الأوسط»

About alzawraapaper

مدير الموقع