عن الشيخ الحنفي

رباح آل جعفر

رباح آل جعفر

هذا رجل من أكثر فقهاء عصره تنويراً وتحريضاً ومن أشجعهم خطاباً .. متعدّد المواهب والمناقب .. وكان مرآة متحركة لبغداد ، وأسطورة من أساطيرها ، وقافية من قوافيها . اختلف على عمامته كثيرون فلم يتركوا من قاموس الهجاء كلمة إلا شتموه بها ، ولا استطاعوا أن يُسكتوا صوته ، أو يُكسروا قلمه .. واتفق على عمامته قليل من أنصاره في الحياة !.
سألت الشيخ جلال الحنفي البغدادي ذات يوم عن مواليده ؟ قال : إنه من مواليد 1914 وعمره تسعون عاماً ثمانون منها حرب على الشعوذة والمشعوذين ، والدجل والدجالين . وكان أول من أضاف له لقب ( الحنفي ) إمام العربية الأب أنستاس ماري الكرملي . وعندما اعتلى المنبر في جامع المرادية سنة 1936 فإنه ألقى خطبة الجمعة انشاداً بطريقة المقام العراقي ، فعاقبه الشيخ محمد بهجت الأثري وكان مديراً للأوقاف وعزله عن الخطابة ، فانتقم الحنفي لنفسه وردّ على الأثري الصفعة بأربعين قصيدة من أقذع شعر الهجاء !.
ثم توالت خصوماته ومعاركه، ووقف في مواجهة الشاعر معروف الرصافي حين وصفه في قصيدة من هجائياته بأنه (أحمق) .. فلم يسكت له الحنفي، ولم يغمد السيف في قرابه ، إنما وضع الرصافي في ( الحضيض) طبقاً لعنوان كتابه المثير : (الرصافي في أوجه وحضيضه ) ! .
واختلف مع علماء الأزهر وجادلهم فأكثر من جدالهم. لذلك لم يمنحوه شهادتهم الأزهرية . وطرق أبواب الصين، يُدرّس اللغة العربية أستاذاً في بكين وشنغهاي، وأتقن التحية التي يتبادلها الصينيون، وأكل من أطباقهم، وتعلّم عمليات الوخز بالإبر في علاجهم، وتكلم لغتهم، وجمعها في قاموس ( صيني ، عربي) ، ثم فوجئ حين عودته إلى العراق ، أن الماء أتلفه في ميناء شط العرب!
وانتقد الدكتور جواد علي ، واختلف مع الدكتور عبد العزيز الدوري ، ولم يتفق مع الدكتور عبد الكريم زيدان ، وهاجم الدكتور علي الوردي ، وقابل الملك فيصل ، واقتحم عالم السياسة وسُجن في العهد الملكي ، ومدح الزعيم عبد الكريم قاسم في ديوان شعر ، وكتب ( للعراق الجديد ) دستوراً بصفحتين من أعظم الدساتير ، سرقه خادم الجامع وهرب !.
ورأيته يداعب الأفاعي ويلاعب الثعابين ، ويجمع القطط والفئران في قفص واحد فيضرب لي مثلاً على التعايش السلمي ، وله القدرة على إبطال السحر ولو كان من عمل هاروت وماروت .. ومواهبه نادرة في التنويم المغناطيسي ، يستطيع أن يجعل النائم يحلم بما تشتهي الأعين وتلذ الأنفس .. وكان رأيه أن أحلام الناس في نومهم أوهام وأضغاث لا قيمة لها، باستثناء أحلام الأنبياء والفلاسفة!
وللحنفي طبائع غريبة ، فكان يمتنع أن يصافحه أحد وهو جالس ، وكلّف أكبر أبنائه (لبيد) فصنع له أصغر منبر في التاريخ ما يزال قائماً في جامع الخلفاء ، وكانت خطبته لا تزيد عن ثلاث دقائق في كل الأحوال ، ويزجر المصلين لو أنهم ردّدوا بعد قراءته سورة الفاتحة ، بقولهم: ( آمين)!
والحنفي على دراية واسعة بالأنغام والمقامات . يؤلّف الألحان ويضفي على بعضها من لمساته ، وأتيح لي أن أستمع إليه يشدو مقامات تبعث الشجن ، وكان حين يصفو مع نفسه ويغني المقام ، يتدفق صوته بنبرات حزينة ، كأنها البكاء !.
رحمك الله يا شيخ جلال فقد كنت حقاً ذاكرة بغداد!
rebahaljafar@yahoo.com

About alzawraapaper

مدير الموقع