عندما يكون الخوف ساترا تحتمي خلفه

أحمد الجنديل

أحمد الجنديل

الشاعر الفرزدق يقول: (الشعر أعسر من قلع الضرس)، تذكرتُ هذا القول وأنا أقارن بين كتابة الشعر وكتابة المقال السياسي في عصرنا هذا، ولكي انتهج الموضوعية في المقارنة، أقول ان كتابة المقال في عالم يضطرب بالآراء المتناقضة، والقناعات المختلفة، وسطوة عبارات التطرف، واشاعة القيل والقال، وانتهاج لغة التخوين والاتهام، وطغيان نبرة التهديد والوعيد، لهي أعسر من قلع الأضراس مجتمعة، وأكثر ألما إذا أراد الكاتب التعبير عن قناعاته بوضوح مستخدما الحجج التي تدعم تلك القناعات .
لستُ أتحدث عن الخلاف والاختلاف وما بينهما، ولستُ معنيا بسلم التباين في المواقف، ولا أريد هنا توضيح الواضح، لكن المشكلة تكمن في طريقة التوافق على الاساسيات التي يفترض ان تشكل قواسم مشتركة لدى الجميع، والصعوبة تكمن في الشعارات المرتفعة والسلوكيات المتدنية، والألم يلوذ خلف حالة الطلاق بين القول والعمل، وبين القناعة الظاهرة والفعل المستتر، واعتماد لغة التبريرات التي لا تعرف المنطق، ولا تقترب من الحكمة، ولا ترتبط بالعقل .
الكثير من الافعال القبيحة التي تحدث نخلق لها أعذارا، وأعذارنا أكثر قبحا من أفعالنا، وإذا ما أردت رفع الستار عن المستور، هبّ لك الغيارى، حاملين بوجهك هراوات التخوين وسياط الاتهامات .
الكتابة وسط ضجيج التصريحات، وتبادل الاتهامات، تبدو من أصعب الأمور، والنزاع حول المفاصل الدقيقة والمسلم بها كبديهيات تجعل الكاتب في حيرة من أمره عندما يريد طرح آرائه بوضوح، ما دامت الرؤى المفصلية مختلفة الى حد التقاطع .
في كل دول العالم، عندما يتعرض المواطن الى اعتداء، ويلحق الظلم بمجموعة من الناس، يهب الجميع بالدفاع عن المظلوم لرفع الظلم عنه، ونحن في العالم العربي والاسلامي، الواقف على فوهة بركان، عندما تريد الاحتجاج من خلال قلمك، وتخرج من حدود حزنك، تجد أقلام الخليفة يرشقونك بالحجارة، ويطلبون منك التريث في الكتابة، والتمسك بنصيبك خوفا من ان يسمعك اعداء الله والوطن والشعب وتحدث المصيبة، ويختلط في رأسك الضحك والبكاء، وتتعانق في نفسك موجات الرفض والقبول، وهي أكثر إيلاما من قلع أضراس الفرزدق وجرير .
واحدة من وجوه أزماتنا اننا نجيد دفن رؤوسنا في الرمال عندما تكون الازمات قد ألقت ظلامها على الحياة خوفا من المواجهة، دون ان نعلم ان سر النجاح يكمن في المواجهة للخوف الذي من شأنه خلق حاضنات للعبودية والخنوع .
الكتابة خارج حدود السيطرة أمر مخيف وخطير، ولا نملك ازاء ما يحدث غير الدعاء بأن يجعل أقلامنا خارج الحدود، لكي نقول كلمة حق في زمن متهالك .
إلى اللقاء.. .

About alzawraapaper

مدير الموقع