عندما تغرق المدن

أحمد الجنديل

ما خُلقَ الانسان ليهزَم، والحياة لا تزدهر إلا بالنقد البنّاء، والشعوب لا تتقدم إلا بالحوار النافع، والسياسة لا تنتعش إلا بالأقلام القادرة على كشف المستور، وفارق كبير بين كاتب هدفه الاصلاح من خلال تشخيص مواطن الخلل لغرض معالجته، وبين كاتب يسعى الى لغة القدح والمدح لغرض التشهير أو التبجيل.
لقد أثار قانون الجرائم المعلوماتية لغطا كبيرا، واستهجانا واسعا عبر شبكات التواصل الاجتماعي، البعض ركب الموجة وراح يصرخ بأعلى صوته منددا به، والبعض الآخر وضعه على طاولة التشريح، وبدأ يفكك فقراته ابتداءً من الاستهلال حتى الخاتمة، والفريق الثالث ارتدى ثوب الصمت كأنّ الأمر لا يعنيه.
دعونا أيها السادة ننتهج الحوار الموضوعي الهادف، والنقاش من أجل التوضيح دون قهر أو تزييف للحقائق، ونقول بمنطق لا يشوبه غموض بأنّ الديمقراطية لا معنى لها إذا تجردت عن مفهوم الحرية، وإذا كان رغيف الخبز يقف في قمة التسلسل الهرمي لحياة الانسان، فانّ الحرية تقف في قمة التسلسل الهرمي لكرامة الانسان، والحياة بلا حرية ستقود الى خلق الدكتاتورية بأبشع صورها.
قبل أيام غرقت مدننا، وتحولت شوارعنا الى مستنقعات نتيجة هطول الامطار، وألحقت السيول الضرر الفادح بالكثير من بيوت الفقراء والمحلات، وانقلبت نعمة الله الى منغصات ومضايقات، وهذه الظاهرة تختلف عن حالة فساد يقوم بها مسؤول يعمل في وزارة، أو سياسي في هذا الطرف أو ذاك، ما أحدثته الامطار ظاهرة لا يمكن تغطيتها فهي مكشوفة للجميع، وحالة الفساد يمكن وضع الستار عليها وإخفاء آثارها بكل طرق الاحتيال.
الكتابة عن الظاهرة العامة والمكشوفة تسحبنا الى الوقوف على جملة من الحقائق تقف في مقدمتها تقاعس الجهات المعنية بهذه الظاهرة.
كل الخطابات التي نسمعها، ومن جميع الاطراف، تتراجع مهزومة أمام ما يحدث جراء زخة مطر واحدة، ألحقت الضرر بالممتلكات العامة والخاصة ، وحولت البلد الى مستنقعات مائية دون أي اجراء فعلي لمعالجة هذا الخلل الذي رافقنا طيلة السنوات العجاف التي عانينا من ويلاتها .
ما شهدناه في الايام القليلة الماضية جراء سقوط الامطار كشف المستور، وأعطى لحرية التعبير مفهوما ودلالة بعيدا عن كل ما قيل وما يقال.
دعونا نكتب بصدق أيها السادة، ونمارس النقد من زاوية البناء والمنفعة، وأن نتناول الظواهر العامة والمكشوفة ، ونغض النظر عما يدور في دهاليز السياسة والسياسيين، وإذا ما أصرّ البعض على قطع الالسن النظيفة ومصادرة الاقلام الوطنية الشريفة وشمولها بقانون الجرائم المعلوماتية، فليس أمامنا غير الدعاء لرافع السماء بغير عمدٍ بأن يشمل هؤلاء بزفير جهنم وشهيقها، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
إلى اللقاء…

About alzawraapaper

مدير الموقع