عناصر التحديث في (للمفتاح وجوه عدة)


Warning: ksort() expects parameter 1 to be array, object given in /home/alzawraa/public_html/wp-content/plugins/yet-another-related-posts-plugin/classes/YARPP_Cache.php on line 465

يوسف عبود جويعد
في رواية (للمفتاح وجوهٌ عدَّة) للروائي مهدي علي ازبيِّن، الذي تُعد تجربته في صناعة النص السردي الروائي ظاهرة لافتة للاهتمام، ومثيرة للجدل والتأمل، كونه ينفلت من الأطر التقليدية والمكررة إلى سياق فني جديد، بتغيير أدوات السرد وتجديدها وإدخالها عالم الحداثة، لتكون حالة متفردة وجديرة بالاهتمام، فهو يعتمد في تدوين نصوصه السردية بأسلوب الفعل المضارع، الذي يضفي على النص السردي حالة تتجدد في كل قراءة، ويبقى النص ينبض بالحياة مهما قدم الزمن عليه، ثم اختياره إلى لغة سردية بلاغية تميل إلى الانزياح النثري الذي ينضّم إلى عالم السرد، ولا يحدث أي خلل في إيقاع متن النص أو انسيابيته، فضلاً عن اختياره زاوية نظر جديدة في كل عمل فني جديد، وفي هذا النص السردي الروائي يستخدم المفتاح كحالة تفاعلية مع وحدة موضوع النص، ليفتح لنا الأبواب المغلقة، ويكون عناوين لفصول الرواية، وأحداث الرواية تسير في مسارين سرديين، الأول يقوم بمهمة إدارة العملية السردية فيه الابن الذي عاد من الغربة، يبحث عن أبيه الذي يرقد المستشفى وهو في حالة حرجة، أما المسار الثاني وهو بمثابة الميتاسرد في هذا النص فهو ما دونه الأب ورحلته المضنية من أجل شفاء الابن، وسنتابع تفاصيل هذه الأحداث، التي دونت بطريقة التناوب بين الأب والابن، وقد استطاع الروائي أن يوظف الحرف داخل متن النص، لفرز هذا التناوب، حيث أن الأحداث التي يقوم بسردها الأب تكون بالخط العريض الغامق، بينما ما يسرده الابن فبالخط الرفيع الخفيف، وهو حالة لتطويع الخط ضمن مسار مبنى السرد:
(أتحسس نبضه الواهن، أسائله: «ألا تترك رقدتك هذه» كم عانت ذرعاه في حملي، كم ناء ظهره وهو يدور بي مخترقاً أجواء محفوفة بالمخاطر، غامر بحياته،عبر المحن، ليأتي إلى هنا و…) ص 12
وهكذا نكتشف أن الرواية كتبت بأسلوب دائري تبدأ من حضور الابن لرؤية أبيه، ثم نتابع ما يحدثنا به الوالد تخص مرض الابن الذي أصيب منذ صغره بوهن في عظم الساق، ومعاناته من الألم جراء هذا المرض، ومن أجل شفائه، يجب أن يقوم بعملية كبرى لتبديل عظم الساق، وهو أمر بات صعباً في بلاد ملغمة بالحروب والخطر، حيث صعب الأمر بالحصول على طبيب يقوم بهذه العملية داخل البلد، وقيام بجهد كبير من أجل شفاء أبنه، حتى زار مراقد الأولياء، وبكى في حضرتهم طالباً الشفاعة لشفاء أبنه، وأمر السفر إلى الخارج في بلد يخوض حرب الثمان سنوات وهو ضابط في جبهات القتال أمر مستحيل.
تدور أحداث الرواية في فضاء سردي مضبب، محفوف بالمخاطر، تجتاحه النيران المشتعلة التي ظلت مشتعلة، بين الحروب، والانفجارات، والقتل، والرصاص المتطاير، وهو غطاء سردي مبهر أضاف لمبنى السرد سحراً غريباً، من أجل جلب اهتمام المتلقي للتعاطف مع مصاب الابن ومعاناة الأب، ولم ييأس الأب أو يكل أو يمل للبحث عن ملاذ آمن لإنقاذ أبنه، ويحاول أن يسافر مع أبنه إلى خارج البلد لمعالجته، رغم أن هذه المحاولة صعبة، إلا أنه وجدها في أوهن سبب، حيث أنه يكتشف ومن خلال صديق أن بائعة اللبن في ساحة النهضة، تستطيع أن تساعده في هذا الأمر بالفعل، تأخذ صورته الشخصية، وتزور له هوية أحوال صادرة من العمارة، ومن هناك يلتقي ببائعة قيمر، كما أوصته الأولى، وتسهل مهمة خروجه من البلد عن طريق دليل.
وفي الفصل الذي يحمل عنوان مفتاح الغابة، نتابع رحلة الأب مع ابنه، وهي شاقة ومتعبة:
(..أستطلع مشارف غابة عظيمة، تسد الأفق، لا نهاية لها أو بداية. أقترب منها في النهار، أدوّن معلومات عنها، عمقها ستة عشر كيلو متر، تفصل الحدود مع النمسا، كثيفة الأشجار، تجوبها حيوانات مفترسة، فيها حرس مسلحون لمنع المتسللين أو الصيادين، لأنها محمية طبيعية) ص 19
وتظل الأحداث مستمرة وتمتد من بداية حرب الثمان سنوات، وحتى التغيير، وفق مسار متناسق منسجم، في لغة سردية نثرية معبرة، وإيقاع متزن منساب صاف رائق، شفيف، وأجواء تفاعلية غريبة في أحداثها، التي هي ما حدث في هذا البلد من تقلبات، من سيّئ إلى أسوأ، تتخلل مسار السرد دخول شخوص فيه، مثل معز الصحفي، الذي ساعد الابن في رص الأحداث، من أجل جعلها مساراً سردياً، ومن خلال معز نطلع على أحداث حزينة مثل صباغ الأحذية الذي أخذ (السلابة) كل ما يدخره في صندوقه، وكذلك حكاية أحد الأدباء الذي كان يعاني من فقر مدقع، يصل إلى حد أنه لا يملك الأجرة للوصول إلى اتحاد الأدباء، فيأتي سيراً على الأقدام، وتنقطع حذاؤه ولا يستطيع السير فيها، يساعده الاسكافي في تصليحها دون مقابل، وتسليبه أثناء الطريق، وعندما يكتشفوا بأنه لا يملك فلساً واحداً، يعطف عليه أحد أفراد العصابة، ويعطيه خمسة آلاف دينار، ليذهب مسروراً، وفي ذلك دعوة إلى أصحاب الشأن للاهتمام بالأدباء ومراعاة حالتهم المادية.
وتستمر الأحداث بالتناوب، وتنجح عملية الابن، بعد أن تتبرع أحد العوائل اليهودية من أصل عراقي بنقل عظم ابنهم المتوفي إلى ساق الابن، ويترك الابن في الغربة، ويذهب الأب إلى البلد، بعدها يصاب إصابة شديدة، ويرقد في المستشفى بين الموت والحياة.
……………
من إصدارات دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع- سوريا – دمشق لعام 2021

About alzawraapaper

مدير الموقع