عميد الجيوش في عهد الخليفة العباسي يحرم على الطوائف إقامة احتفالاتهم

طارق حرب

طارق حرب

بعدَ كثرة الاضطرابات ببغداد نهاية القرن الرابع الهجري وزمن الخليفة العباسي وفي فترة قل النفوذ البويهي في بغداد وازداد الوضع سوءا وعاشت بغداد حالة من الفوضى والاضطراب لم تشهده سابقاً وازداد الشحن الطائفي بحكم ضعف سيطرة الخليفة القادر الذي حكم بغداد من عام 381 هج حتى عام 422 هج على الامور في بغداد بداية حكمه يشير لنا الدكتور مفاز الله كبير في رسالته عن نفوذ البويهيين ببغداد من عام 334 الى عام 447 هج الى أحوال بغداد ويذكر كيف إن عميد الجيوش تدارك هذا الوضع اذ بعد مغادرة السلطان البويهي بهاء الدولة لبغداد وتركه نواب له فيها ولم يستطع هؤلاء النواب تدارك الاضطراب وتوليه ارسال (أبي علي ابن استاذ هرمز) ولقبه عميد الجيوش والذي حقق الامن في الأهواز أرسله الى بغداد وجعله حاكماً على العراق من عام 392 هج حتى وفاته بعد ثماني سنوات وقد لاقى هذا التعيين ترحيباً حتى من قبل الخليفة العباسي الذي كانت له السلطة الشكلية فقط والسلطة الفعلية بيد البويهيين حيث كان يمارس سلطتهم الوزير البويهي سابور بن أردشير الذي تم عزله وتعيين عميد الجيوش.
وكتب الى أعيان بغداد يعدهم بالحسنى لذلك دخل بغداد عام 392هج حيث زينت الشوارع ونثرت الدراهم عليه وبقي عميد الجيوش يدير بغداد لمدة ثماني سنوات وسبعة أشهر وبرهن على انه الاداري الاكثر نجاحاً حيث ورد التقاليد العسكرية من عضد الدولة الذي حكم بغداد سابقاً كقائد بويهي وعاشت بغداد أفضل أوقاتها لذلك طبق مبادئ تلك الفترة في بغداد لذا كان صارماً في فرض القانون وأدرك ان المناسبات والاحتفالات الدينية كانت السبب وراء انعدام الأمن والفوضى لذلك في السنة الثانية حرم على الطوائف كافة إقامة احتفالاتهم الدينية بصورة علنية وعامل الطوائف بروح التسامح والمساواة بعيداً عن التعصب وأمر بإلقاء القبض على أي مثير للفوضى ومن أي طائفة كانت وإغراقه في نهر دجلة في وضح النهار ليكون مثلاً للعامة والقى القبض على بعض القادة الاتراك مع أتباعهم ومناصريهم ولا سيما الذين طالما اعتدوا على السكان ونتيجة لذلك هرب كل المحتالين والمتشردين من كل الاصناف خارج بغداد خوفاً من عميد الجيوش.
ولقد وضعت هذه الاجراءات الصارمة حداً للفوضى الاهلية التي دمرت بغداد بحيث تحولت الى مدينة آمنة وكذلك الطرق المؤدية لها وبدأ بتنفيذ العقوبات على الخارجين على القانون ومن الذين نفذت العقوبات بحقهم أبو علي الكرامي الذي اعتاد على اقتحام المنازل للقيام بالاعمال غير القانونية ولم يجدِه نفعاً انه لجأ الى شخصية بارزة في بغداد اذ كان عميد الجيوش لا يحترم أي شخص يخل بالامن والنظام حيث أرسل حاجبه ليدخل بيت تلك الشخصية ويلقي القبض على الشخص المطلوب بحضور تلك الشخصية لذلك توجه أولئك الى خارج بغداد وتخلص السكان من أعمالهم وبالطريقة ذاتها توجه عميد الجيوش للتعامل مع الموظفين ورجال الدين المتواطئين معهم وقام باغراق عدد منهم وفي أوقات مختلفة فمثلاً ان المدعو أبو القاسم ابن العاجز الذي كان موظفاً كبيراً في بغداد تم استدعاؤه أمام عميد الجيوش الذي ضرب عنقه وطيف برأسه في جانبي بغداد ثم أغرقت جثته في دجلة ميتاً.
وعند غيابه عن بغداد بذهابه الى خوزستان حصل ما يخالف الأمر الذي أصدره بتحريم الاحتفال العلني في المناسبات الدينية لوضع حد للمنازعات التي تثار عند الاحتفال في هذه المناسبات ولما عاد الى بغداد نفى أحد الفقهاء، الذي أجرى الاحتفال الديني الذي ترتب عليه حصول نزاع مذهبي لأنه اعتبره المسؤول عن ذلك النزاع والحق يقال ان ذلك لا يقتصر على طائفة أو مذهب معين وانما يشمل جميع المذاهب والمكونات ومنع عقد أي اجتماعات برعاية القراء من رجال الدين مما أدى في النهاية الى أن تعود الامور الى مجاريها في بغداد وبعدها سمح لرجل الدين الذي نفاه بالعودة الى بغداد وللتأكد من استتباب الامن في بغداد وتطبيق القانون أمر عميد الجيوش أحد غلمانه بحمل صينية من الفضة مملوءة بالدنانير الذهبية والتجول فيها ليلاً بأكثر أحياء المدينة بدون حماية ومراقبة وأوصاه بأن يكون سيره في المناطق التي كانت ترتكب فيها السرقات والنهب وأن لا يمنع أي شخص من الأخذ من الدنانير وعليه فقط تحديد المكان الذي يتعرض فيه للسرقة وفعلاً دار غلام عميد الجيوش في أغلب الأحياء ببغداد ليلاً وعاد بعد منتصف الليل دون تعرض من أي شخص في شوارع وأزقة بغداد على الرغم من الليل الذي يشجع على السرقة.
ومرة حصل أن توفي تاجر جاء من مصر الى بغداد وترك خلفه أموالا كثيرة دون أن يترك خلفاً أو قريباً فاستبقى عميد الجيوش أمواله كأمانة لم يأخذها لنفسه ولم يضفها الى أموال الدولة والخزينة الحكومية وانما أمر بحفظها لحين مراجعة أحد ورثته وبعد مدة ليست قصيرة جاء شقيق التاجر المصري المتوفي فسلمه أموال أخيه واستمر كذلك في عمله وادارته بغداد حتى توفي عام 401 هج.

About alzawraapaper

مدير الموقع