علاج الوباء في عالم مريض

علي الصراف

العلاج أو اللقاح سوف يتوفر في النهاية، ولكن في عالم مريض سوف يحتاج إلى سنوات طويلة قبل أن ينسى ما يحصل اليوم، وإلى سنوات أطول لكي يعثر على قيم.
عالم اليوم يبدو كمن يبحث عن نفسه. يترنح من دون شراب. يفعل كل ما يفعل بأثر من استجابات الفطرة، لا المعرفة. ومن الصعب للغاية القول إنه على هوية واضحة. ولقد نزعنا قناعا، لكي نستبدله بكمامة.
مراجعة ردود الأفعال الأولى لجائحة كورونا تُظهر بوضوح ترددا أضاع الكثير من الوقت، وحيرةً سببت الكثير من الارتباك، وفوضى في المعالجات أدت في النهاية إلى ارتفاع أعداد المصابين بمعدلات صاروخية، وكذلك أعداد الضحايا.
المخاوف الاقتصادية، كانت سببا من أسباب التردد. ولكن ها نحن نرى أن الثمن الذي نجم عن الفوضى صار أبهظ بكثير من أي ثمن كان العالم سيدفعه لو أنه استطاع أن يستدرك المعالجات وهو على رؤية واضحة.
في البدء، كان هناك مقدار من آليات التتبع لملاحقة الوباء، ولكنها انتهت بالفشل، حتى لم يعد بالإمكان ملاحقة الحالات. وصارت السلطات في مختلف أرجاء العالم تلزم السكان بالبقاء في منازلهم. الأمر الذي تسبب بشلل اقتصادي هائل، وخسائر كبيرة، وضيق اجتماعي ارتفعت معه معدلات الاكتئاب وأعمال العنف المنزلي، والجوع، وحالات الانتحار.
التردد يظل مؤذيا باستمرار، حيال أي مأزق. ولكنه كارثي لدى مواجهة جائحة. ذلك أنها، بالتعريف، تتطلب تدابير وقائية سريعة.
ما حصل هو أن النظريات تقدمت على الواقع. في بريطانيا، كما في الولايات المتحدة والبرازيل ساد الاعتقاد بأن “مناعة القطيع” سوف تتكفل بالتغلب على الوباء. اتركوا الناس تصاب. 80 في المئة منهم لن يتأثروا، و10 في المئة من الباقين سوف يتوفون. وهم في الغالب من كبار السن، أو ممن يعانون من أمراض سابقة. وهؤلاء يمكن التضحية بهم. كان الثمن يبدو رخيصا. فقط عندما صار الضحايا يتساقطون، وصارت المقابر لا تتسع للجثث، انكشفت النظرية على الواقع، لتبدو كمجرد فضيحة لـ”علماء” أقرب إلى كونهم كائنات فضائية منهم إلى بشر.
الصين لم تأخذ الوباء انطلاقا من نظريات. ولو كان لـ”مناعة القطيع” أن تكون هي العقل المدبر، لكان عشرات الملايين قد سقطوا، من دون أن يقدر على نجدتهم نظام صحي، ولا نعثر لدفنهم على مقابر.
اندفعت الصين لتخنق الوباء، كما تخنق المجتمع نفسه. وكان ذلك هو الشيء الوحيد المفيد في سياسات الخنق.
المفارقة الأكثر إدهاشا، جاءت في الفصل التالي من المأساة. فبعد أن ساد الوباء في القطيع، انتهت الدراسات التي أجرتها منظمة الصحة العالمية إلى أن الذين يصابون بكوفيد – 19 لا يوفرون مناعة حتى لأنفسهم، إذ يمكن أن يصابوا به من جديد. القطيع عاد عاريا.
اكتشاف هذه الحقيقة، كان هو اللحظة الأكثر مأساوية في كل هذه الأزمة. لقد قضى نحو ربع مليون، ولكن تلك اللحظة قدمت وعدا مفزعا بأن ربع مليون آخر وآخر سوف يسقطون. الموت صار هو الذي يتوالد.
كنا نعرف منذ بداية الأزمة في الصين، أن المستشفيات سوف تكون بحاجة إلى أجهزة فحص، وأجهزة تنفس، وأن متطلبات العزل تستوجب توفير كمامات ومواد تعقيم وكفوف. وكان من العقلاني تماما أن تدفع الحكومات شركات التصنيع لكي تبدأ الإنتاج من دون إبطاء ولا توقف حتى يتوفر الغطاء الكافي من تلك الاحتياجات.
آليات العزل كان يجب ألا تراهن على سلوكيات الناس، أو مدى التزامهم بالقواعد. كانت هناك حاجة إلى حوافز. أو أن يكون الخيار البديل هو الضبط بالقوة والقسر، كما فعلت الصين.
نحن نقف الآن في قلب مأساة تطحن البشر، من دون قيم، ولا معايير أخلاقية. وتقتصر في النظر إليهم على أنهم فئران حياة أو فئران تجارب
الضبط بالقوة شيء بشع. ولكنه خيار عاقل إذا لم تكن قادرا على غيره. والصينيون الآن ينظرون إليه بتسامح.
القمع في الصين، رؤية مسبقة. إنه تصور لمعنى من معاني الحياة. وهو ليس أفضل التصورات الممكنة. ولكنه أفضل من الفوضى.
استدعاء الجيش وأجهزة الأمن والطواقم الطبية من المتقاعدين والمتطوعين، وفر إمكانيات هائلة لإدارة الأزمة وضبط تداعياتها. وكان ثمة مقدار هائل من الكفاح الذي قدمته طواقم من أطباء وممرضين ظلوا يعملون من دون حساب. التفاني كان هو المقياس الوحيد للمواجهة.
الاعتماد على نظريات في مواجهة أي وباء، شيء سخيف في الواقع. ليس بسبب كلفته العالية من أرواح البشر فحسب، ولكن لأنه ليس دقيقا بالضرورة. النظريات شيء والواقع غالبا ما يكون شيئا آخر. لا يمكن أن تأخذ بأي نظرية إلا بحذر شديد، وبدائل.
إغلاق الحدود، أثبت أنه إجراء حصيف. ولكنه جاء متأخرا. ووقف الطائرات كان ضروريا، بما أنها بطبيعتها، صناديق مغلقة. ولكن حماية الركاب والطواقم بتجهيزات وقائية تكفل عدم التفشي، كان يمكن أن يجعلها تتواصل، فلا ينقطع العالم عن بعضه. سوى أن تلك التجهيزات ما تزال غير متوفرة، حتى للذين يقفون على الخطوط الأمامية من أطباء وممرضين.
نحن في الشهر الرابع الآن من اندلاع الوباء، وما تزال بريطانيا تكافح من أجل أن تحصل على أردية حماية شخصية لمقاتلي الخطوط الأمامية. أي فشل يمكنه أن يكون أكبر من هذا؟
البحث عن لقاح وعلاج للوباء بدأ بسرعة. ولكن ذلك لم يكن عملا مخلصا، وغاياته غير إنسانية. ما حصل هو أن مؤسسات البحث والمختبرات، سارعت لتبحث، كل بمفرده، عن الكنز. لا يمكن أن تواجه أزمة إنسانية، بدوافع غير إنسانية. هذا شيء بشع.
العديد من الشركات أنزلت علاجات سابقة، والكثير منها ما يزال في المراحل المختبرية الأولى، من أجل أن تسابق الزمن لعلها تكسب الجائزة. وهناك بينها من وجد في الوباء فائدة عملية ليختبر مدخراته من العلاجات التجريبية لأنها كانت بحاجة إلى “جائحة” تطحن عددا كافيا من البشر لكي تمضي التجارب السريرية على نحو يسمح بالحصول على نتائج أدق.
معايير مَنْ يجب أن يتلقى العلاج، أو مَنْ يمكن أن يخضع للتجارب كانت فضيحة أخلاقية قائمة بذاتها. ما من مؤسسة خدمات صحية كشفت عن تلك المعايير. وظلت قرارات الحياة والموت تُتخذ في الصف الإداري من تلك المؤسسات. قيم الديمقراطية لم يعد لها مكان هناك. الأولويات في الرعاية تبدأ من الأصغر سنا لتنحسر بالتدريج إلى أن تبلغ الصفر، بينما الأولويات في التجارب والاختبارات تبدأ من الأكبر سنا.
لهذا السبب تحولت دور رعاية المسنين إلى مقابر من الناحية العملية. هؤلاء البشر صاروا من لزوم ما لا يلزم، وحياتهم أقل قيمة من كل ما كانوا يفعلون.
نحن نقف الآن في قلب مأساة تطحن البشر، من دون قيم، ولا معايير أخلاقية. وتقتصر في النظر إليهم على أنهم فئران حياة أو فئران تجارب.
أكثر ما يحز في النفس اليوم، ليس الذين خسرناهم من البشر فقط، وإنما أيضا أولئك الملايين، عشرات الملايين أو أكثر، ممن كانوا يعملون على قوت يومهم فوجدوا أنفسهم بلا قوت. هذه مرارة إنسانية كبرى. ولا أدري كيف يليق بباقي البشر السماح لها أن تستمر أو تتكرر. أولئك على أي حال ضحايا جائحة، وضحايا ما بعد الجائحة أيضا.العلاج أو اللقاح سوف يتوفر في النهاية. ولكن في عالم مريض، سوف يحتاج إلى سنوات طويلة قبل أن ينسى ما يحصل اليوم، وإلى سنوات أطول لكي يعثر على قيم.

About alzawraapaper

مدير الموقع