عصر الدكاترة !

رباح آل جعفر

رباح آل جعفر

اعتذر الأستاذ عباس محمود العقاد الحاصل على الشهادة الابتدائية عن قبول شهادة الدكتوراه الفخرية التي منحتها له جامعة القاهرة ، وكانت حجته : من ذا الذي يقدر أن يمتحن العقاد ويعطيه الدكتوراه ؟!.
وكان عميد الأدب العربي طه حسين يأنف أن يسبق اسمه ( الدكتور ) ، ويرى أنها من النعوت التي لا تغني ، ومن الصور الكاذبة التي لا تصوّر شيئاً ، ويومها كان يرفض بوصفه عميد كليّة الآداب أن يمنح الدكتوراه الفخرية لكبار السياسيّين ، فكتب احتجاجاً كتابه الشهير ( مستقبل الثقافة في
مصر ) !.
وفي ذلك الزمن الفائت ، كانوا يلقّبون الأستاذ زكي مبارك بالدكاترة مرّة واحدة ، لحصوله على ثلاث شهادات دكتوراه في الفلسفة والتصوّف والأدب .. ومبارك صاحب الرواية الجميلة ( ليلى المريضة في العراق ) المستوحى عنوانها من بيت شهير لمجنون ليلى العامريّ : ( يقولون ليلى في العراق مريضة ) .. وهذه الرواية من أمتع ما كُتب في أدب الرحلات ، منذ أن أغمي على قيس بن الملوّح مغشيّاً بالجنون ، وهو يقول : ( قضاها لغيري وابتلاني بحبّها / فهلّا بشيء غير ليلى ابتلانيا ؟! ) .. ثمّ لم يعرف بعدها الحياة الهادئة العاقلة !.
وفي وقت من الأوقات تظاهر أساتذة وطلبة جامعة كولومبيا في الولايات المتحدة ، واعترضوا على قبول مالئ دنيا السياسة ، وهاتك قلوب العذارى الدكتور هنري كيسنجر أستاذاً للعلاقات الدولية وعضواً في هيئة
التدريس !.
ويكفي أن نعرف أن أساتذة كباراً من أكفأ العقول العراقيّة شغلوا كرسيّ الأستاذيّة ، وخرّجوا أجيالاً في الأكاديميّة ، لكنهم لم يحصلوا على شهادة الدكتوراه .. يكفي أن نستذكر عبد الرحمن البزاز في القانون ، وناجي معروف في التاريخ ، وطه باقر في الآثار ، وإبراهيم الوائلي في اللغة العربية ، ومدني صالح في الفلسفة .
اليوم ، ماذا يمكن أن نقول أمام هذا السيل العرم من شهادات الدكتوراه التي تموج بالألوف المؤلفة من ( الدكاترة ) ، والجامعات التي تمنح الشهادات بالمراسلة ، منها الصحيحة ومنها المزيّفة ، بكميّات تصلح للتصدير .. فعلى هذا النحو تفقد الشهادة قيمتها ، ويصبح الأمر غير مستساغ !.
ولقد ضحكت وأنا أستمع إلى حكاية رواها زميل لي عن طالب دكتوراه في التاريخ ، كان يظنّ أن بورتسموث هو اسم لوزير خارجية الإمبراطوريّة التي لا تغيب عنها الشمس ، وليست مدينة تقع في الجنوب الشرقي من بريطانيا !.
كم أتمنّى أن تكون شجرة الثقافة العراقيّة باسقة ، تمتدّ أغصانها النضرة الوارفة المبتلّة في كلّ وجه ، لتظلّ ما حولها من البلاد ، وتحمل إلينا ثمرات طيّبة حلوة لذيذة فيها غذاء للعقل وشفاء للروح ، فنغتبط ونبتهج .. لا أن تصبح الشهادة العلمية نوعاً من الجاه لسدّ العيوب عند بعض حامليها ، الذين يكبرون بمخاطبتهم ( بالدكتور ) ويستمتعون ، ويتهالكون ، ويشعرون أن لا قيمة لهم من دونها ؟!.
وخذوا عيّنة من هذه القماشة التي أقصدها .. امتحنوا معلوماتهم ، يكاد يرسبون في أسهل امتحان بالأسئلة الساذجة ، حدّ أنكم تستهولون الأمر ، وتصابون بالذهول ، وتردّدون في أنفسكم : هذا شيء فظيع !.
رحم الله الشيخ جلال الحنفي الذي كان يستكثر على أمثالهم كلمة ( دكتور ) ، فيكتفي بالإشارة إليهم بمفردة الدال ، ويسقط باقي الحروف .. أخشى أن يسخر الحنفي من هذا ( الدال النابغة ) في قبره !.
rebahaljafar@yahoo.com

About alzawraapaper

مدير الموقع