عرسٌ في القارة السوداء..!

مظهر محمد صالح

مظهر محمد صالح

لم يتمتع أحد بسعادة كما تمتعتُ بمشاهدة موكب زفاف كان يقطع شوارع عاصمة زيمبابوي (هراري) قبل 3 عقود ونيف، يوم استُبدل اسمها من الاسم الاستعماري العنصري الأبيض القديم (سالسبوري) الى الاسم الوطني الجديد (هراري). إذ تقدمت موكب الزفاف سيارة رولزرايز سوداء شديدة اللمعان جلس في داخلها عريسان من الأقلية البيضاء، ممن طابت الحياة لديهم بالعيش في سلام ومحبة في هذا البلد الرائع من بلدان أحزمة الجنوب الافريقي الخضراء. ولم تعوزنىِ الشجاعة كي أتطلع على تلك العروس الشقراء التي كانت تلتفت الى زوجها بشغف خشية أن تفقده! وهي تدخل مملكة رجل آخر طغى عليه شيء من الحزن!.
قلت في سري.. لقد خلق الله النساء ليكشفن معادن الرجال الثمينة (كنحاس زمبابوي) او الخسيس منها! تراجعت من فوري بعد أن هدر المكان بالأصوات المتفاوتة من جميع الدرجات والأنواع وقلبي يخفق الى جو الفرح الذي جاء بلا كلفة في هذا المكان من القارة السوداء، مدركاً في تلك اللحظات أن الزواج علاقة باهرة وفرح غامر وانه بدٌ ما ليس منه بدُ! غادر موكب العرس طريقه وأنا مازلت أتطلع الى علب فارغة قد تدلت من أشرطتها الملونة الزاهية وبشكل متناسق الى الأرض بعد ان ربطت في مؤخرة سيارة الزفاف لتحدث ضجيجاً أثناء السير معلنة انه العرس على الطريقة الأوروبية في هذا البلد الافريقي الداكن في خضرة أرضه وتدفق مياهه.
مرت سنوات وعقود والعرس وأفراحه ظلت متماثلة في كل مكان على وجه الأرض. ولم تنفك حارتنا قبل أيام من إطلاق الزغاريد وصيحات الزفاف التي لم تهدأ يومها حتى عانق الليل السماء. وهكذا اقتحم الفرح محلتنا من كل صوب حتى قالوا انه فرح مجنون! ولم أستطع أن أركز في نهاية المطاف على مجريات ذلك الفرح العارم قبل أن أشاهد موكب العرس، حيث زينت تلك السيارة السوداء الخالية الأرقام الحديثة الصنع شديدة اللمعان ليجلس في داخلها العريسان وهي تخترق أزقة محلتنا بضجيج لم أعهده من قبل. تطلعت الى العروس وأنا أتذكر ذلك العرس في هراري قبل عقود مضت، فوجدتها سيدة شقراء ايضاً ولكن أصابها شيء من الحزن على عكس عروس هراري! وهي تدخل مملكة رجل آخر! والعريس يتطلع اليها وربما يقول في نفسه.. إن الحياة الزوجية هي أعظم من جميع آمالنا، وإن الحقائق الصعبة في هذه اللحظات الحرجة والسارة ستنهزم وستطوي معها حزن عروستي! كما ان الموسيقى وتهليل الصبية ستجعلنا نترنح من السعادة وهو مازال يذوب في المفاتن المشرقة من حوله في ذلك العرس الغامر!
غادر موكب العرس محلتنا وقلبي يلهث حيال ذكرى ذلك العرس الأوروبي في قلب القارة السودء وأنا ألتهم في نفسي أجمل أسرار الحياة وذكرياتها.
لم يفاجئني ذلك السيل من التصرفات المجهولة للمحتفلين حينما ألقى موكب العرس علبا معدنية فارغة تقاذفها الصبية لتنتهي في قارعة الطريق وبلا مبالاة، وهم يعبرون عن استخفاف في الظاهر والباطن متمتعين بصوت الموسيقى ومنغمسين بالفرح الشديد، قلت في نفسي، وأنا أطوي الخطى نحو منزلي.. إن المحتفلين تنقصهم الحكمة!! فالحكمة ثمرة عسيرة تعكسها تصرفات الناس بالعلب الفارغة اينما تكون على وجه الأرض!!.

About alzawraapaper

مدير الموقع