عائد خصباك …. حكاء يزين السرد

 

 

 

 

 

 

شوقي كريم حسن
بداية الثمانينيات من قرن الحروب والفجيعة، رأيته يجلس خلف صمته متأملاً ذلك المكان المحاط بضجيج الباعة، وصراخ الباصات، ولغو المارقين الى عمق الفوضى، لم اره من قبل، ولكن الأسم احفظه عن ظهر قلب، واعرف امتدادات هذا التأريخ البابلي الذي شيده السارد المعلم شاكر خصباك، غمزت لمعلمي موسى كريدي، من هذا ، جامع الفراشات التي تتابع قهقهاتكم دون ان يفوه بشيء، قال كريدي بصوته المازح.. القوي النبرات.. هذا الذي تعرف الحلة وطأته .. هذا ابن خصباب. .. من ذاك اليوم رحت اتابعه، لاني ومنذ فتوتي مغرم بامرين مهمين في تأريخ السردية العراقية، النزعة الحكائية المتفحصة للواقع وهمومه، والتي نقلها الرواد عن السرد التركي اولاً والاشتراكي فيما بعد، وثباب السرد الزمنية والمكانية التي ما فارقت حضور السرد ابداً، تلك الميز هي التي اعطت للسردية العراقية بهجتها وحبورها وحضورتها التي اثارت الكثير من الجدل المعرفي، برغم ان السارد العراقي يظل متهما حتى وان اشعل الدنيا بشموع السرد وبناءاته المتفرده، يتارجح وعي عائد خصباك بين جناحي طائر كل يريد الاخذ به الى حيز وجوده، الستينيات بتمردها الوجودي العابث، والسبعينيات بانقلاباتها الايدلوجية التي عادت بالسرد الى ذات الحلقة التي اعلنها عبد الملك نوري وفؤاد التكري وجعفر الخليلي وعبد المجيد لطفي، ثمة واقع مرير ينتج سرداً، هذا ما شخصه التكرلي في تنوره، والعيون الزرق، وما مجده محمد خضير حين اعلن عن قيام مملكته السوداء، تقدمت السرديات في الزمن السبعيني الى امام ، وبدت الصراعات تؤدلج الاحداث وتمنح الشخوص هويات انتماء حتى وان كانت هذه الشخوص لا ترغب بها ولا تريد، في خضم تلك المعركة السردية التي لا شبيه لها في المحيط، امسك عائد خصباك بتمكن سردي واضح، بقرني الحكاية، يتأمل مطمورات الماضي وارثياته، ويقرأ بدقة العارف المتغيرات النفسية والفكرية التي تصاحب الايام، ليقدم نماذج تجسيدية تتوافر على قيم اقناعية تدفع بالمتلقي الى البحث والتفحص والتأمل، يجد متلقي خصباك ان ازمات شخوصه واضحة خالية من الانفعالات السردية الكاذبة مع كثير من التوهج القائم على قسوة الوصف وحيرة مفضوحة بين الزمان والمكان، تتحرك سرديات عائد خصباك داخل قيم يؤمن بها ويدافع عنها، حتى يظن البعض انه لا يريد مغادرة الحقيقة التي يجدها الاصح والابلغ تأثيراً، ولان السارد يتكئ الى مستندات معرفية كثيرة، منح سردياته حواريات مكنته من التصاعدية الثيمية ، مع فهم لمقصوديات الصراع، وتكاملياته التي تصل الى ذروة التطهير وتلك استعارة مسرحية جلية التمكن، غادر السرديات عائد خصباك الى محطات الغربة مضطراً ربما، حتى حطت به ملامح السرد عند بلاد الفراعنة، وهو المغرم بنجوم السينما ونجيب محفوظ وطه حسين وعباس العقاد وتوفيق الحكيم وقد اضيف انه قد يكون معجباً بمحمد عبد الحليم عبد الله، وارثياته، كان خصباك قاهري الانتماء سحرته المدينة الضاجه التي تكره النوم، وان نامت فعلى حذر وريبة، وادمن فحوصاتها المتغيرة باستمرار، ولأنه نفس سردية متأرجحة راح يندفع بين قاع المدينة وسفليتها المبكية، وعلوها الباذخ الذي لا يريد الاعتراف بغير وجوده، دون عائد خصباك تلك الاشارات، وامتحن ذاته داخل ذات المدينة، يخطط لمسرودات اجتماعية تنتمي الى السردية المصرية التي تحبذ الحكاية وتميل لها بحكم مؤثرات الاشتغالات السينمائية التي اسهمت في ابعاد السردية المصرية عن التجريب بعض الشيء، والتجريب الذي اقصده غير تلك التأثيرات السردية القادمة عبر ترجمات الآخر، انشأ عائد خصباك مسروداته على ضوء تلك السلوكية التي احبها وعاش في خضم صراعاتها السياسية والاجتماعية، لم يستطع السارد فيما بعد الا الاندفاع داخل مدن الاستذكار والمراجعة، يشيد مباني كان قد غادرها منذ زمن بعيد، ويعطيها البسة حكائية عجائبية قد تشبه في بعض مناحيها ثياب الامبراطور، ادمنت سردياته الواقع، فراح يفلسفه منتقلاً بين حلة بابل ورفقة الامس وقاهرة دنقل وعبد الحكيم قاسم وحجازي ومن هم بدرجة كائن يعيش، الصورة الزمانية المؤطرة بأمكنة معروفة جعلت السارد يتمحور داخل فضاءات كانت السردية العراقية قد غادرتها منذ منتصف التسعينيات صوب مناحي تجريبية وحكائية قاسية وموحشة ربما لم يستطع عائد خصباك استيعابها والتعامل معها سردياً هذا غير الاحساس بترهل الزمن السردي لدى خصباك نفسه، احساس ان الانهزام يرافق خطوات وجودنا كلها وما علينا سوى الاستسلام والقبول بالأمر الواقع، ربما يفكر السارد الحكاء الى ارضيات السردية العراقية او ربما يستطيع المزج بدقة مفاهيمه بين مسرودات مصر والمسرودات العراقية ليخرج بحكي سردي مغاير؟ هذه الربما تعيد خصباك الى الارجحة، تعيده الى نقطة التوازن التي عشقها ذات يوم، ولهذا يجب ان يندفع ولا يكتفي بإطلاق مسرودات لا تثير اهتمام المتلقي رغم اهميتها، ومثلما اهتمت النقدية العراقية والعربية بمسرودات خصباك ذات يوم، عليها ان تعود لتفحص تلك التجربة السردية الكبيرة، وتقديم اوجه التميز والاخفاق ان وجد فيها، تلك مهمة لابد منها، رغم ايماني بكسل النقد وضعف مرامية، ولكني اجد في الاشارة ثمة ضرورة كي لا تضيع تجاربنا السردية المهمة ادراج الرياح، ومنها تجربة عائد خصباك، المؤثرة والثرة معاً!!

About alzawraapaper

مدير الموقع