طواف على شواطئ رواية سيدة الوشم

أحمد رجب شلتوت
يعرض الكاتب المصري مصطفى البلكي في روايته «سيدة الوشم» لقصة حب تُوجت بالزواج بين مسلم (ضياء) ومسيحية (أفروديت)، ولأن قدر مثل هذه القصص في الواقع ألا تكتمل، فقد انتهت قصتهما بموت الحبيبة لتبدأ الرواية. التي تجنبت الخوض في الواقع الاجتماعي الضاغط على الشخصيات، والرافض لعلاقات الحب بين مختلفي الدين، فقد أراد تقديم رواية عن «الحب»، لذا جعل ضياء الفنان يعتنق الحب كـدين واقعي، يجد في أفروديت جنته، لكنه خرج منها مبكرا، فقد ماتت أفروديت وهما يمارسان الحب، ليتهم نفسه بقتلها.
الرواية تدين الواقع فهو رغم هزيمته في مواجهة العاشقين إلا أنه استطاع أن ينشب مخالبه في قلبيهما، فكان انتصارهما قصير الأجل. لذلك كثرت في الرواية مفردات الفقد والقتل والموت. وفي ذلك «حفر تحت الجلد» من أجل تعرية مجتمع لا يقيم وزنا لقيمة الإنسان، ولا يتعامل مع الآخر بحسبه معادلا أو مكملا له.
ضمير المخاطب
شخصيتا ضياء وأفروديت تناوبتا على الحكي، فقد خصص الكاتب لكل منهما أحد جزئي الرواية، لكن البنية السردية عند البلكي لم تعتمد على تبادل للحوار بين صوتيهما، فقد مثل حديث كل صوت منهما فيضا من الخطاب أحادي الاتجاه، إذ وجه كل منهما حديثه للآخر، مستخدما ضمير المخاطب «أنت» في نوع من المناجاة السردية الحميمة. وهي تختلف عن الحوار بين الصوتين في أن قوة الكلام ومصدره تنتقل من الشخصيات المتحاورة إلى الراوي السارد، وأيضا لأن الكلام يفيض في اتجاه واحد من الراوي المتكلم إلى المخاطب، وفي ذلك تفسير لارتباط « الأنت» باستخدام الفعل المضارع الدال على الحضور، والفيض في اتجاه واحد دون إمكانية للرد. وهو ما يعني ايقاف حركة السرد إلى الأمام في الزمن كما يعني قدرا من التركيز على اللحظة. فالضمير «أنت» يضع الراوي في مواجهة نفسه مستحضرا التذكر والتأمل والاعتراف، كما يتعامل مع ما حدث للأنا وكانه حدث لشخص آخر، هكذا تبدأ الرواية بأفروديت تتبع ضياء في طريقهما إلى قسم الشرطة، ويحكي ضياء بحيادية مشيرا إلى ما تواجهه قصة حبهما من حصار، فزوجته أفروديت أم وابنها غير راض عما حدث، يتوجس ضياء من المواجهة المحتملة «فأي أرض ستكونين عليها حينما تجدين ولدك أمامك؟». يشعر بحاجتها إلى دعمه في تلك اللحظة، يخاطبها متذكرا «اقتربتِ مني، لدرجة الالتصاق» وكأن هذا الالتصاق جعلها جزء منه فعرف بما يجول بخاطرها، وما يحدث بداخلها، فيضيف «وسمحتِ لأذنيك أن تلتقطا حفيف الأقدام على البلاط المؤدي للدرج الممدد أمام بوابة قسم الشرطة»، وهناك وجدا الكاهن الذي يريد استعادتها وانهاء تلك العلاقة، عندئذ يحكي ضياء «شعرتُ بأنك تحتاجين لعيسى, في اللحظة التي انطفأ فيها الأمل بداخلك».
عيسى هو ابنها الميت الذي رسمت صورته وشما على ذراعها الموشوم أيضا بالصليب، أما الآخر الذي يواجهها فهو نبيل، وقد رشق زجاج شرفتها فيما بعد بحجر أعقبه التهديد «ستموتين يا عاهرة». تكرر رشقها بالحجارة من نبيل فأجلت منح نفسها لزوجها إلى حين، لحظتها انتشى ضياء قائلا «الليلة سأكون كذكر النحل, يولد من أجل أداء مهمة واحدة, وبعدها يلفظ أنفاسه».
لكنه نجا بينما هي التي لفظت أنفاسها، يواصل ضياء خطابه لها رغم موتها «حملتك وبعناد استحوذتُ على تفاصيلك, أسلمتها إلى عواصف الكون, تفعل بها ما تشاء, حتى شهقتِ شهقتك الأخيرة, وتراخى جسدك وسرعان ما غرق في صمت المكان، كنتُ أُدرك أن الحكاية بدأت من تلك اللحظة, وأني سوف أعيش فصولاً صعبة, كتب عليك ألا تكوني فيها, وكُتب عليّ أني سأكتبها لك». يجد نفسه متهما بقتلها، الطبيب يبرئه، يكشف للضابط عن ضعف قلبها الذي لم يحتمل، فماتت من ممارسة الحب. دفتر أفروديت أخذ ضياء من متعلقات زوجته لوحة وأيقونة وصورة لها ودفتر مذكراتها، وينتهي الجزء الأول بإمساكه للدفتر، وما كتبته أفروديت في دفترها يشكل الجزء الثاني من الرواية، ونكتشف أنها كانت تكتب وهي مستحضرة ضياء، وكأنها كانت تبوح له وليس لنفسها، تقول» لا أعلم لماذا التقينا يا ضياء ولا أؤمن بالصدف، هناك من يرتب لنا كل شيء لسبب من الأسباب وليس عبثًا»، وحينما تبحث في ذاكرتها عن تفاصيل حياتها، يكون التذكر لأجله، لتحكي له عن حياتها قبله، «حبستُ كل شيء بداخلي, وأنا أعرف أن أشد ما يعانيه المرء حبسه لحلمه, حيث الوقت وعداوته»، ثم تعترف بما يخص علاقتها بزوجها مدحت «أصبح ما بيننا يدور روتين ممل, لم يتغير حتى دخلتَ حياتي, وفي ليلة الاحتفال بميلاد عيسى, ولد بداخلي حبك»، تعود ثانية لذكرى اللقاء وقد استدعته ليعزف في ذكرى ميلاد عيسى، يومها توقفت أمام كلمة العمر، وتأملت ملابسها، وتغير إحساسها بجسدها، فلما مات مدحت لم تشعر بفقده، كانت توقن أنه جعل من جسدها سجنا للحب، وأن ظهور ضياء في حياتها حرره، وينتهي الدفتر بما دونته عن أول نقطة ابتدأ منها سرد ضياء، يوم ذهابهما إلى قسم الشرطة، هكذا يستدير الروائي بالزمن ليعيده إلى نقطة مفصلية، لعلها هي التي أوهنت قلب أفروديت فلم يحتمل حبا ظلت تنتظره طوال حياتها، فلما جاء غادرت هي الحياة، بينما ضياء يوصد الباب ليكتب عليه «كل فقد هو إطلاق عقال شيء آخر».

About alzawraapaper

مدير الموقع