صواريخ قيس سعيّد والمتآمرون على تونس

الحبيب الأسود

لا يزال الرئيس التونسي قيس سعيّد يطلق “صواريخه الموجهة” نحو أهدافها، محذرا من الفوضى التي قد تعم بلاده، ومحذرا من الإرهاب المتربص بها، ومن المؤامرات التي تستهدفها، والتي وصل إلى حد الحديث عن الظروف التي تحاك فيها من سهرات ومآدب، للتأكيد على أن ما يصله من معطيات أمنية واستخبارية، إنما يصدر عن جهات تتابع تحركات المتآمرين في أدق تفاصيلها، وفي كل المواقع والزوايا، ما يعني أن أجهزة الدولة تعمل بكامل قدراتها، ولم تفلح محاولات اختراقها في تحييد دورها الوطني.

منذ أشهر والرئيس سعيّد، يتحدث عن مؤامرات تحاك في الغرف المظلمة، وعن تهديدات للأمن والاستقرار في البلاد، وعن مخططات للانقلاب على الشرعية، وقد ارتبط كل ذلك بتلميحات إلى محاولات منافسته على صلاحياته كرئيس للبلاد، عندما قال إن لتونس رئيسا واحدا في الداخل والخارج، وبتحذيرات من الإرهاب ومن تسلل الإرهابيين، عندما أبرز في مناسبات عدة أن كل رصاصة من العدو ستواجه بوابل من الرصاص، أو عندما تحدّث عن قدرة الدولة على مواجهة أعدائها في الداخل والخارج، وهو بذلك يشير إلى الجماعات الإرهابية المتحركة خارج الحدود والتي يوجد بعضها حاليا في الغرب الليبي، ولديها خلايا نائمة في الداخل، ومخططات تمّ خلال الأسابيع الماضية إحباط الكثير منها.
لم يعد خافيا أن الرئيس سعيّد، إنما يتحدث من منطلق ما لديه من معطيات مؤكدة، ومن داخل الغرفة العليا للتدقيق الأمني والعسكري والمخابرات، ومن خلال ما يصل من تقارير خارجية في إطار التعاون مع الدول الشقيقة والصديقة، وخاصة منها تلك المرتبطة بمصالح ثابتة مع تونس أو التي تشترك معها عضويا في مواجهة التحديات المصيرية، وضمن متابعة دقيقة لمجريات الأمور في كواليس السياسة الداخلية، وتحركات بعض القوى المتطرفة ذات العلاقة العقائدية بنزعات التوسع لدى أطراف إقليمية لا تستثني تونس من خططها.

خلال الأشهر الماضية، حاول الرئيس التونسي أن يوجه رسائله لتصل إلى أصحابها، دون أن يذكرهم بالاسم، ودون أن يقدّم إيضاحات أكثر، فالتهم تبدو كبيرة وتصل إلى مستوى الخيانة العظمى، والتآمر على الأمن القومي وعلى المصالح العليا للوطن، حيث أكد أنه يعلم جيّدا حقائق وتفاصيل ما يقومون به، ويعلم جيّدا ما يسعون إلى تحقيقه، والفوضى التي يسعون إلى إدخال البلاد إليها.
وأشار الرئيس سعيّد إلى أن لديه الثقة الكاملة في المؤسسة العسكرية للتصدي للمؤامرات التي تحاك في الخارج، ولمن يريد أن يتآمر مع الخارج ضد الدولة التونسية، كما أوضح أنه “لن يقبل بأن يكون هناك عملاء يتعاملون مع الخارج ويتآمرون على تونس لإدخالها في الفوضى”، مبرزا أنه يعلم جيّدا عن سهراتهم ومآدبهم وما يقولونه خلالها، ويعلم ما في لقاءاتهم لتهيئة الظروف للخروج عن الشرعية، مشدّدا على أن الفوضى التي يسعون لإدخال البلاد فيها سيتم إفشالها بإرادة قوات الأمن والقوات العسكرية وبإرادته، وفق تعبيره.
من يتابع مجمل مواقف وتصريحات الرئيس التونسي قيس سعيّد يدرك أنه يمتلك الكثير من الملفات التي تدين أصحابها وتفضح مخططاتهم التآمرية وأنه يمتلك الكثير من الأسرار في خزينة مكتبه
إن هذه التهم الصادرة عن الرئيس التونسي خطيرة، وقد لا يوجد في بنود الدستور والقانون ما هو أخطر منها، وهي تمثل اعتداء بيّنا على الدولة وسيادتها ومؤسساتها وأمنها واستقرارها وحاضرها ومستقبلها، لكن عدم الإشارة علنا إلى المتورطين فيها يطرح الكثير من الأسئلة، عن كيفية مواجهتها والتصدي لها، أو على الأقل لجم مخططاتها وكبح جماح تآمرها ومنعها من الاستقرار في تهديد الأمن القومي، لأن الوضع سيكون أخطر في حال انطلاقها لتنفيذ خططها على الأرض، وتحقيق أهدافها على حساب المصالح العليا للبلاد.
لكن بالمقابل، قد يكون من الأفضل أن يمتنع الرئيس عن توجيه التهم مباشرة، وخاصة عندما يتعلق الأمر بقوى سياسية قد تجد نفسها بعد الكشف عن مؤامراتها تحت حصار يدفع بها إلى بث الفوضى لفكه عنها، وهذا في حدّ ذاته خطر على البلاد، على أن يقوم الرئيس من موقعه بإطلاق خطة لتحجيم تلك القوى وتقليم أظافرها بالشكل الذي يراه، ومن ورائه مؤسسات الدولة، مناسبا. قبل أن تتغوّل أكثر، وتنطلق في تنفيذ مخططاتها بشكل يصبح فيه من الصعب مواجهتها.
لا شك في أن الرئيس قيس سعيّد، يدرك جيدا من يقفون مع عقيدة الدولة الوطنية، ومن هم الذين يتآمرون عليها ويرفضون الاعتراف بها وبرموزها ومنجزاتها، ومن لا هدف لهم إلا التغلغل في مفاصلها ومحاولة التمكن منها بدوافع أيديولوجية وحسابات تتجاوز الحدود لترتبط بمشاريع عابرة للأوطان، من بين أدواتها الإرهاب الذي ضرب دولا عدة، ولا يزال ينفذ أجندات الواقفين وراءه، ومن ينقلونه من بلد إلى آخر بهدف تهيئة المجال للتوسع الذي يطمحون إليه.
إن من يتابع مجمل مواقف وتصريحات الرئيس سعيّد، يدرك أنه يمتلك الكثير من الملفات التي تدين أصحابها وتفضح مخططاتهم التآمرية، وأنه يمتلك الكثير من الأسرار في خزينة مكتبه، وهو متمكّن من ألغاز الكثير من الأحداث الغامضة التي تعرفها البلاد، بما في ذلك الهادفة إلى نشر الفوضى وتعطيل عجلة الاقتصاد وخلق فتنة بين بعض الفئات من الشعب ومؤسسات دولته السيادية، والتلاعب بالوحدة الترابية ومأسسة التطبيع مع الإرهاب وغيرها، وعلاقة ذلك بما يدور في المنطقة.
لعل أبلغ ما أراد الرئيس سعيّد قوله إن مؤسسات الدولة التونسية لا تزال بخير، رغم تسع سنوات من محاولات استهدافها واختراقها وتحويل وجهة مرجعيتها، من مقام الرئاسة إلى جهات أخرى.

About alzawraapaper

مدير الموقع