صعود الطبقة الوسطى وهبوطها

مظهر محمد صالح

مظهر محمد صالح

وهنا بدأت مرحلة الانموذج الديناميكي السالب في قمع الطبقة الوسطى التاريخية وتنظيماتها وحرمانها من اية مصادر بشرية جادة تنضم اليها إيديولوجياً.
مرت المدنية العراقية في ثمانينيات القرن الماضي بمخاضات جديدة فقدت فيها تماسكها الاجتماعي وصوتها الديمقراطي الكامن جراء استقطاب قطاعات واسعة من الطبقة الوسطى خارج السوق لتنضوي في المنظومة المركزية للدولة النفطية ذات الاستبداد الشرقي، وان المدن بقاطنيها ومشتغليها امسوا جزءا لا يتجزأ من المؤسسة المركزية الحكومية البيروقراطية عندما قايضت قدراتها الديمقراطية وصناديقها الانتخابية بالسلع العامة الممولة بعوائد النفط، بل الانكى من ذلك جرت عسكرة موظفي الدولة ابان الحرب العراقية الايرانية وتحويلهم الى قوة مغتربة وسلعة عامة في دواليب الحرب.
وفي تسعينيات القرن الماضي تعرضت المدن الى تبدل اجتماعي كبير غير من شكل علاقة الدولة المركزية بمجتمعات الطبقة الوسطى (المدن) وابراز المجتمعات الهامشية (الأرياف) جراء تبدل النمط السريع في موارد الدولة المركزية، ولم يبق من الريع المركزي سوى التعاطي مع الريف وتقاسم الفائض الزراعي لادامة الماكنة المركزية الحكومية. وان ضريبة التضخم التي تدفعها المدن وطبقاتها الوسطى التي اخذت تنسحق تحت وطأة تلك الضريبة امست تتسرب وبشكل او اخر الى منتجي الريف من الطبقة المالكة وهي طبقة محدودة متوسطة الدخل ولكن لا تنتمي تاريخيا الا للظرف الاقتصادي الاستثنائي الذي سببه الحصار.
لقد ترتبت تحولات اجتماعية قوية جعلت من الطبقة الوسطى وانحدارها الى الطبقة الفقيرة بإخلال في الهرم الوسطي الاجتماعي، إذ تحولت الطبقة الوسطى الى طبقة التحمت مع الطبقة الفقيرة لتشكل تلك الطبقة المسحوقة قرابة 75 بالمائة من سكان البلاد ان لم يكن اكثر، وان الطبقة الوسطى لم تحظ الا بشريحة ضئيلة اخذت تتسرب تدريجيا بحكم مهارتها وثقافتها الى خارج البلاد.
رتب التحول الاجتماعي من المدن الى الأرياف انقلابا في الهيكلين الاجتماعي والسياسي فضلا عن الهيكل الاقتصادي، فتوزيع الدخل بدأ يعمل لمصلحة الاسر الريفية ابان الحصار الاقتصادي، فعلى وفق معامل جيني اخذ توزيع الدخل ينتقل من 32 بالمائة لسكان المدن ليصبح قرابة 40بالمائة مما يعني ان التدهور في درجة المساواة بدأ يعمل لمصلحة الأرياف على حساب الطبقة الوسطى إذ سجل معامل جيني للأرياف مستوى 36 بالمائة بدلا من 40بالمائة مما يعني تبدلا في العلاقات الاجتماعية والاقتصادية انسحبت من الطبقة الوسطى في المدينة الى طبقة ملاك الاراضي في الأرياف.
ويستخلص من ذلك ان الأرياف اصبحت ثقلاً سياسياً وعسكرياً وعليه فان النفط ونشوء الطبقة الوسطى لا يمكن ان يلتقيا في الانماط الاقتصادية لما قبل السوق او الرأسمالية عموما، وان مظاهر العنف المسلح بأشكالها ووحشيتها صوب المدينة العراقية يمثل اصرارا على تهميش الطبقة الوسطى، وان أرياف العراق التي تحتضن قرابة 12 مليوناً من سكان البلاد (وبقوة عمل زراعية تشكل 22 بالمائة من إجمالي قوة العمل العراقية ويعاني نصفها من البطالة وهي لا تسهم في الناتج المحلي الإجمالي بسوى 5 ـ 7 بالمائة) فقدت نفوذها السياسي وربما يكون مصادر العنف المسلح ضد المدينة والسوق هو صراع لاستعادة نفوذ الريف السياسي عن طريق اجهاض المدينة وتطور قواها الاجتماعية التاريخية وعلى رأسها الطبقة الوسطى، بعد ان حلت الأرياف محل المدن كقوة اقتصادية واستبدل ملاك الاراضي بالطبقة الوسطى التي تحولت الى طبقة فقيرة بسبب ضرائب التضخم وانسحاقها مع انسحاق الريع النفطي.

About alzawraapaper

مدير الموقع