صراع “الأخوة” السلاف في البحر الأسود

إسطنبول/ الأناضول:
تعتبر الأزمة بين روسيا وأكرانيا من أبرز الأزمات التي شهدتها منطقة أوراسيا في النصف الثاني من العام الجاري، حيث ينعكس النزاع بين البلدين “الشقيقين” على كافة المجالات.
وكانت الإدارة الأوكرانية قد أعلنت، بدعم من بطريركية إسطنبول، استقلال الكنيسة الأوكرانية عن الروسية، في حين تسعى موسكو لتقليل أهمية أنابيب نقل الطاقة المارة من أوكرانيا، من خلال افتتاح مشروع خط السيل التركي.
وتعتبر مواجهة البلدين الأخيرة في مضيق كيرتش وبحر آزوف بمثابة استمرار للنزاع بينهما.
النزاع بين البلدين ليس وليد اليوم بلا شك، حيث توترت العلاقة بينهما عقب خلع الرئيس الأوكراني المقرب من روسيا، فيكتور يانوكوفيتش، بنتيجة الثورة الملونة التي شهدتها البلاد عام 2014، ومن ثم ضم روسيا لإقليم القرم.
ولم تسفر هذه الأحداث عن اشتداد النزاع بين روسيا وأوكرانيا، فحسب، إنما أدت إلى زيادة وتيرة “الحرب الباردة” مع بدء الفترة الرئاسية الثالثة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وفضلا عن ذلك تعد أوكرانيا واحدة من ساحات الصراع في الحرب الباردة، حيث أصبحت من أهم المواضيع التي جعلت روسيا والغرب في مواجهة، عقب انهيار الاتحاد السوفيتي.
وتحتل أوكرانيا مكانة مهمة بالنسبة لروسيا في عهد الرئيس فلاديمير بوتين، حيث ترى موسكو أنها ما زالت صاحبة تأثير على الدول الناشئة عن تفكك الاتحاد السوفييتي، عدا دول البلطيق.
ولا تعتبر أوكرانيا استثناء في هذا الإطار، بل على العكس تمامًا، حيث ينحدر مواطنوها من نفس العرق ويدينون بذات الدين السائد في روسيا، كما تحتضن البلاد عددًا كبيرًا من المواطنين الروس، وتعد كذلك أكبر دولة بين الجمهوريات الناشئة عن تفكك الاتحاد السوفيتي.
بينما يسعى الغرب، على العكس تمامًا، إلى جذب أوكرانيا إلى طرفه، ولهذا السبب أدى تغيير النظام الأوكراني عام 2014 إلى توتر العلاقات بين موسكو وكييف من جهة، وموسكو وواشنطن من جهة أخرى.
تغير الموازين بسبب ضم القرم
واشتعل فتيل الأزمة الأخيرة، حسب موسكو، مع انتهاك 3 سفن أوكرانية المياه الروسية، حيث احتجزت البحرية الروسية تلك السفن، وأعاقت مرورها من مضيق كيرتش.
في المقابل، نفى المسؤولون الأوكرانيون صحة الاتهامات الروسية، واتهم كلا الجانبين بعضهما البعض باتخاذ خطوات تحريضية.
بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، توصلت روسيا وأوكرانيا لحل أزمة بحر آزوف ومضيق كيرتش نتيجة مفاوضات طويلة، لكن الموازين اختلت مجددًا إثر ضم الجانب الروسي لشبه جزيرة القرم، ومع اعتبار كلا الطرفين تبعية القرم لهما، فإن الحدود البحرية لكل منهما تشهد بعض الاختلاف، وكلا البلدين يعدان نفسيهما على حق.
وبالرغم من ضم روسيا للقرم قبل 4 أعوام، إلا أن أوكرانيا تحاول تصوير الأزمة وكأنها وقعت حديثًا، حيث يجب التنويه هنا بأن هذه الأزمة تصب في مصلحة أوكرانيا وتتعارض مع مصالح روسيا.
وتجرى انتخابات الرئاسة الأوكرانية في 31 مارس/ آذار عام 2019، ويتم النظر إلى إعادة انتخاب الرئيس الحالي بيترو بوروشينكو، بعين اليقين، حيث يسعى بوروشينكو خلال ذلك إلى رفع حدة النزاع مع روسيا، وزيادة أصوات ناخبيه بالتالي.
كما تنتشر ادعاءات مفادها بأن إعلان بوروشينكو لحالة الطوارئ سيؤدي إلى تأجيل موعد الانتخابات، وبالتالي فإن هذه الأزمة تصب في صالح الرئيس الأوكراني من حيث السياسة الداخلية وموازين القوى.
وتحمل هذه الأزمة أهمية من حيث تسريع مفاوضات عضوية أوكرانيا في حلف شمال الأطلسي “الناتو”، حيث أنه بالرغم من سعي الغرب – على مدى 30 عامًا – إلى إبعاد أوكرانيا عن روسيا، إلا أنه لم يتم قبول عضويتها في كل من الناتو، والاتحاد الأوروبي حتى الآن.
وفي الوقت الذي تستمر فيه أوكرانيا بالتفاوض للانضمام إلى صفوف الناتو، تشير الأزمة الأخيرة إلى أنها لا تشعر بالأمن، وأنه يجب أن تلتحق بصفوف حلف شمال الأطلسي بأسرع وقت.
أما بالنسبة للجانب الروسي، فالوضع معاكس تمامًا إذ تحمل الأزمة معان سلبية، حيث تشارك روسيا في الحرب السورية منذ سنوات، وأنفقت خلالها مبالغ طائلة، إذ يعتبر من غير المنطقي – لا سياسيًا ولا اقتصاديًا – أن تفتتح روسيا جبهة جديدة إلى جانب جبهتها الحالية في سوريا.
كما من شأن هذه الأزمة توتير العلاقات بين روسيا ودول الاتحاد الأوروبي، بعدما شهدت تحسنًا تدريجيًا مؤخرًا.
وكما هو معروف فإن روسيا تعرضت لعقوبات أمريكية وأوروبية، إثر ضمها لإقليم القرم، لكن مع دخول عام 2018، أخذ التوتر بين روسيا والاتحاد الأوروبي يتراجع بضغط من الشركات الأوروبية.
وأمام هذه الأوضاع، يبدو – من المؤكد – أن روسيا لن تميل للدخول في صراع مع أوكرانيا، خاصة وأن اقتصادها يعاني ظروفًا صعبة، ومن ناحية أخرى، فإن تحسن العلاقات بين روسيا والاتحاد الأوروبي لا يخدم مصلحة أوكرانيا.
يمكن لتركيا أداء دور مؤثر
يمكن ربط أزمة بحر آزوف بمشروع السيل التركي من عدة جوانب، حيث اتهم بعض الخبراء الروس في البداية الجانب الأوكراني بإشعال فتيل الأزمة، وأن الحادثة تعتبر بمثابة “رد” على مشروع السيل التركي، لأنه سيولد أضرارًا عليها.
تلك الأزمة ستزيد من صعوبة تمديد الخط الثاني من مشروع السيل التركي، ومشروع الطاقة الروسي الآخر ويحمل اسم “السيل الشمالي”، حيث لن ترغب دول الاتحاد الأوروبي – بضغط من الولايات المتحدة – في إقامة علاقات اقتصادية مع “روسيا سيئة”، وكما هو واضح فإن الأزمة لا تخدم مصالح روسيا على الإطلاق.
إن حل هذه الأزمة يحمل أهمية كبيرة سواء بالنسبة لكلا البلدين أو بالنسبة لدول المنطقة، فالنزاعات المسلحة لن تخدم مصلحة أية دولة في المنطقة، حيث يجب ألا تتحول أوكرانيا، التي تعاني أوضاعا صعبة بالأساس، إلى ساحة نزاع شبيهة بالساحة السورية.
ويمكن لتركيا أداء دور هام في هذه المرحلة، حيث تعتبر من الدول القليلة التي تتمتع بعلاقات صداقة متينة مع كل من روسيا وأوكرانيا حاليًا.
حافظت أنقرة على التوازن في علاقاتها مع كلا البلدين حتى اليوم، وكسبت ثقتهما بآن واحد، ولعب دور الوساطة بين موسكو وكييف، سيساهم في تعزيز صورتها وقوتها المتزايدة في المنطقة، ومن ناحية أخرى ستعيق من نمو الأزمة بشكل أكبر، لتكون بذلك أعاقت أيضا تعرض مصالحها للخطر جراء الأزمة.

About alzawraapaper

مدير الموقع