صباح دمشق… لا تقرأهُ إلا شعراً

طلال الغوّار
وأنت تسير في دروب دمشق القديمة، ليس سوى أن يخّيل لك أن التأريخ يسير معك جنبا إلى جنب، تتحاور معه أيضا، فكم من الخطوات مشت عليها عبر العصور لتمتزج اليوم بخطواتك .. وأنفاسهم تمتزج بعبق الياسمين المعّرش على عتبات البيوت، لتكتشف ما هو مثيرا حقا، فما تراه من الأحجار المرصوفة وأحجار الجدران والأبواب المزخرفة وشجيرات النارنج المتناثرة ونبات الياسمين والكبّاد والفل ووجوه المارة وحركتهم كأنها جميعا تنتظم بإيقاع متجانس يتناغم مع دواخلك لينتابك هاجس بأنك أمام باب مفتوح من الحب والأمل والبهجة، ولا تدري خطواتك أم هي الدروب من تقتادك، لتجد نفسك انك أمام الجامع الأموي الكبير بأحجاره الرخامية المنتظمة، وأنت تدخل الفناء حافيا وتسير بخطى
بطيئة ومتهيبة، حتى تكاد أن تسمع التاريخ يتكلم من خلال هذه الأحجار.
القباب متوجة بالمعنى
وكل حجر نشيد
*
انعطافة بسيطة نحو اليمين، حيث قبر القائد صلاح الدين الأيوبي، وبلحظة خاطفة تستحضر تاريخا يمتد إلى أكثر من خمسين عاما، لتجد نفسك تجلس على «رحلة» مدرسية في الصف الخامس الابتدائي ومعلم مادة التاريخ :
(القائد صلاح الدين الأيوبي هو من واجه الغزوات الصليبية وحرر القدس ).
*
ليس لي سوى أن افتح ذراعيّ لاحتضن صباح دمشق، وأنا اهبط درجتين إلى حديقة الفندق الخارجية المطّلة على الشارع واتخذ مكانا متطرفا من الحديقة، ولأنه يعرفني شاعرا قال عامل الفندق وهو يحمل قدح الشاي ليضعه أمامي على المنضدة
-صباح دمشق لا تقرأه إلا شعرا.
كانت عيناي تسافران صوب الشارع , فأنا انتظر ( مايا ) حيث موعدنا الساعة العاشرة صباحا كي اهديها بعض دواويني الشعرية . فأنا لم أرها من قبل، لكني أراها الآن تعبر الشارع باتجاه حديقة الفندق، أنها هي، حدسي يقول هكذا، بتنورتها البيضاء وقميصها الأبيض.
ياسمينة دمشقية تمشي على قدمين،
أي التفاتة تلك التي أشرقت في وجهي ، حين أشرت إليها،
الصباح يتفتح بين أصابعها
ويضوع من ابتسامتها عطر المعنى.
لماذا كنا نحث الخطى سريعا، وليس ثمة من ينتظرنا، كما لو أن الزمن يغالبنا، دمنا يركض في عروقنا كأنه يعبر عن رغبة نريد أن نصل إليها في أنفسنا، كفّها يلامس كفّي بين الحين والآخر لكنّي أحسستُ بالدفيء ينساب بين أصابعي، أنها أصابعها تتداخل وأصابعي بحياءٍ هادئ حتى تعشّقت تماما .

كأن إحساسا مشتركا يدفعنا لان نخفف من سرعة سيرنا، لنترك الطريق هو من يقود خطانا ويسير بنا إلى حيث يشتهي، لكن … مهما قطعنا من مسافات طويلة، فأن ثمة مسافات أطول ينبغي أن نقطعها في أعماقنا يا ( مايا ) كي نصل إلينا.

About alzawraapaper

مدير الموقع