صار البدو مهددين في عقر دارهم

سعد محسن خليل

سعد محسن خليل

رحمَ الله عالم الاجتماع علي الوردي فقد شخّص هذا العالم الجليل تركيبة المجتمع العراقي تشخيصا دقيقا ولم يكن هذا العالم الجليل امريكيا بل كان عالما عراقيا ولد في مدينة الكاظمية وليس في مدينة تكساس او نيويورك ليجاري حضارة الغرب وفق مفهوم الحداثة والتطور التي افسدت المجتمع وبذلك يكون الوردي قد عاش في قاعدة قيمية عربية اسلامية وان حياته كانت تتسم بالحرمان ومن خلالها استطاع ان يفهم الناس من غير غطاء وقد نال في ضوء ذلك المجد والشهرة حيث ان المدى الزمني بين ما طرحه الوردي وما نطرحه اليوم اثبت استمرار تمسك الاحفاد بالاجداد من قيم واعراف ومعتقدات تقبلوها بجمودها وتلك سمات المجتمعات الميتة كما يقول الوردي فكان الاخذ بالتجديدات بطيئا وهذا بحد ذاته ظاهرة اسفر عنها عدم وجود نتائج دافعة لنمو الحضارة في المجتمع العراقي حيث كانت فكرة بناء المجتمع معتمدة على فرضية الانتقال من البداوة الى الحضارة .. انها بدوية الفرد العراقي وحضريته فقد احدث التقاؤهما صراعا ثقافيا ساحته المدينة.. فيما مازال النقاش يدورحولهما .. هل هي سلاح يفتك بالحضارة الحديثة ويحد من التنمية الاجتماعية ام سلاح يسند الافراد ازاء هجوم القيم الحديثة فيمنع اختلالها الكامل وسيطرتها على سلوكهم الا بمقدار محدود حيث ان فكر الوردي ونشاطه الذهني كان متاثرا بمن حوله فنظمها على مبادئ نطبقها في حياتنا من دون ان نشعر.. وقد فسر الوردي احداث التاريخ في ضوء ازدواجية الشخصية وقد لاقت افكاره النقد والمعارضة والتهجم والمحاكمة وكانت النتيجة استنتاجات تصب باتجاه اتهام الوردي بالتنكر للقيم والتقاليد والدين واللغة لا بل اتهم بالزندقة واحيل للتحقيق في حينها كما عده رجال الدين واحدا من ثلاثة امور تسبب فساد البلاد بعد القمار والبغاء والسبب في كل هذه الاتهامات هو انه حاول اختراق المعرفة المتداولة بين الناس في محاولة لاعادة بناء اساس معرفي يتمثل بتحرير المعرفة المتداولة بين الناس في محاولة لاعادة بناء اساس معرفي يتمثل بتحرير المعرفة من جذورها في البنية الاجتماعية فاستفز مشاعرهم.. فكتب الوردي عن البداوة بطريقه ابرز قيمها الحسنة مثل الصدق والصراحة والعفة والوفاء والشهامة والكرم كما ذكر قيمها السيئة المتمثلة في احترام النهب والتخريب واحتقار العلم والصناعة هذا ليس استنتاجا حيث يقول الوردي «لكل عمل يدوي دلالة ضعف ودلائل القوة هي الفروسية».. فما احرانا اليوم ونحن نعيش حالة التفكك والتخلف ان نقتدي بافكار هذا العالم الجليل الذي اثرى الفكر الانساني بتحليلات قيمة خاصة مقولته الشهيرة «ان البداوة كانت الغالبة في صراعها مع الحضارة لكنها اليوم اصبحت مغلوبة على امرها .. لقد اختفى الخطر الذي كان يهدد الحضارة دائما -غزو البداوة لها- وحل محله خطر معاكس حيث صار البدو مهددين في عقر دارهم» وواقع الحال يثبت صحة ما ذهب اليه العالم الجليل الوردي بعد ان تكالبت على حدودنا اساطيل الدول الاجنبية في محاولة منها لتهديد حضارتنا ووجودنا ومستقبل ابنائه متخذا اسلوب التهديد والوعيد منهجا وسط حالة التخلف والتفكك الذي تعيشه الامه .

About alzawraapaper

مدير الموقع