شرف القلم في صدقه ووضوحه

أحمد الجنديل

أحمد الجنديل

عيبنا أننا نكذب، وسيد العيوب الكذب، ومشكلتنا أنّ كذبنا من النوع الذي يدفع العباد والبلاد إلى الخراب والدمار، ويريق الدماء على وجوه الشوارع والحارات.
والمحزن اننا نكذب منذ الصغر، وعندما كبرنا، عرفنا أنّ كذبنا قد أصبح ظلنـّا، كـَبُرَ معنا، يسيرُ أينما سرنا، ويتوقف في أية محطـّة نتوقفُ عندها .
ومعضلتنا أنّ كذبنا قد أوصلنا إلى أسفل سافلين، وأصبحنا بفضله الأمة الأكثر ضحكاً عليها في المعمورة، وبرغم هذا، فما زلنا نتمسكُ بالكذب باعتباره السمة الأبرز التي تميز شخصيتنا عن بقية الشخصيات الأخرى .
وعند الحديث عن الأقوام الأخرى، تتفتحُ شهيتنا أكثر على ممارسة الكذب، ونسرعُ إلى عرض الاسطوانة المشروخة العتيقة التي استطعنا بكذبنا المتكرر من جعلها الاسطوانة الأكثر رواجاً في بيوتنا ومقاهينا، والتي تحدثنا من الصباح المترع بالحزن، وحتى المساء المثقل بالنعاس والخوف والظلام، عن البوابات الكافرة التي أدخل منها أعداء الله هذا الوباء الذي حصد استقرارنا وسعادتنا، وأحال حياتنا إلى رماد، وبعد سماع هذه المقطوعة السمجة والنشيد المخدّر، نتبادل النظرات، ونغرق بالضحك، لأننا ندرك اننا نمارس الكذب فيما بيننا، كما نمارس الجنس، فرجولتنا مولعة بالاثنين معاً، وأطفالنا يضحكون علينا، لأنهم يعلمون أنّ البوابات الكافرة ليست بوابات موسكو وباريس ولندن، وإنما البوابات المشيدّة داخل نفوسنا، والتي جعلها الكذب إحدى الدعائم القويّة التي نحتمي بها عندما نمارس الكذب .
ومع توالي الأيام يحصدُ (الكفرة) في الغرب الانتصارات الباهرة دون إراقة قطرة دم، ونحصدُ نحن (أحباب الله) الهزائم السود، مصحوبة بأنهار الدم الساخن، من أجل أن يبقى الكذب تاجاً على رؤوس الملوك والشعوب.
ومع مرور الزمن، وتعاقب عقارب الساعة، تنعم شعوب الأرض (الكافرة الملحدة) بالأمان والحرية وتوفير الخدمات، وننعم نحن (أصحاب الحق الإلهي المطلق) بالظلم والتعسف والاضطهاد، ونتبادل كلّ صباح (باقات) الفقر والجهل والمرض، ومع كلّ هذا لا يشهد قاموسنا كلمة رفض واحدة، ومع كلّ ما يحصل فإنّ تعزيتنا الباقية، لافتة نعلقها فوق هاماتنا تقول : (القناعة كنز لا يفنى)، وبعدها نغرق في الضحك، لأننا نعرف جيداً أنّ ما نقوله، وما نكتبه، لا يخرج عن دائرة الكذب.
لم يسلم أحد من كذبنا، وعندما يتجرأ أحد، ويرمينا بتهمة الكذب، تثور شواربنا غضباً، ولا يردّ الكرامة الجريحة غير السلاح، نحنُ لها، نستثير همم شعرائنا الفحول، وعلى إيقاع الأهازيج النارية، تبدأ المعارك مخلفـّة أنهار دم، برغم أنّ المحاربين الأشاوس على يقين من أمرهم بأنهم كذابّون من طراز ممتاز.

About alzawraapaper

مدير الموقع