شخصية طه حسين وإنتاجه الفكري

ميثم الجنابي

ميثم الجنابي

توطئة
احتل طه حسين موقعه الخاص والمتميز في صرح الثقافة العربية الحديثة بوصفه شخصية عقلانية ونقدية حرة وتنويرية تجمع بين التجديد والأصالة. كما حصلت بالقدر ذاته على مكانة الشخصية المرجعية بالنسبة للفكر العربي الحديث بشكل عام والأدبي بشكل خاص. من هنا تنوع مظاهر ومضامين التقييم المؤيد والمعارض. بحيث نقف بقدر واحد على أغلبية تؤيد التقييم القائل بشخصيته الفذة، وأقلية تجد فيه شخصا يفتقد إلى ما ينسب إليه. وفيما بين هذين التيارين تباينت أيضا المواقف المعارضة والمؤيدة، والمبجلة والمستخّفة. ولا خلاف عما في هذه الحالة من تنوع يعكس تنوع المواقف والآراء والأحكام من جهة، ويشير في الوقت نفسه إلى حيوية طه حسين وتأثيره المستمر في الوعي الثقافي العربي المعاصر. الأمر الذي يجعل منه شخصية إشكالية.
لكن غرابة القضية ككل تكمن في إشكالية شخصية وليست إشكالية فكر وفكرة. الأمر الذي جعل من كل ما قيل ويقال عنه جزء من معترك المواقف والأحكام الأيديولوجية، وليس من مسار التراكم العلمي والنقدي الضروري لوعي الذات القومي في احد مجالاته ومستوياته ونماذجه.
وتنعكس في هذه المفارقة من حيث الجوهر القضية التالية، وهي أن المشكلة ليست في إشكالية طه حسين بقدر ما تقوم في معضلة الوعي الثقافي العربي الحديث والمعاصر التي جعلت من شخصيته إشكالية، ومن أسلوبه في الكتابة والتعبير نمطا متبعا، ومن مستوى بحوثه التاريخية والأدبية نموذجا للمحاكاة والتقليد، ومن آثاره النقدية مآثر علمية، ومن معلوماته المتناثرة معرفة منظمة، مع أنها لم ترتق في أي من هذه المجالات إلى مستوى العلم والمعرفة الحقيقية، دع عنك قضية الإبداع الفكري الأصيل. الأمر الذي يجعل من إشكالية طه حسين في الحقيقة إشكالية ضعف وتدني وسطحية الوعي النظري الذي ميز وما يزال يميز الوعي الثقافي العربي الحديث والمعاصر. وإذا كانت هناك من مأثرة لطه حسين بهذا الصدد، فإنها تقوم في قدرته الفذة على تمثل هذه الحالة الأولية لتراكم الوعي المعرفي البدائي لحد ما من حيث المقدمات والأسس والمنهجية، ورفعها إلى مصاف المرجعية الثقافية، التي أعطت له تلك القيمة المؤثرة والفعالة في الوعي الاجتماعي، رغم سطحيتها في مجال العلم والمعرفة الحقيقية. وإذا كان لهذه الحالة ما يبررها من الناحية التاريخية، بوصفها الصيغة المبسطة والجزئية لكيفية وطبيعة التراكم الأولي للثقافة العربية آنذاك (والمصرية بشكل خاص)، فان ضررها المعرفي يقوم في تقديم تجارب الثقافة الأوربية العريقة والعميقة والجديدة عبر موشور الرواية والحكاية المميز لتقاليد الأزهر المختبئة في أعماق الوعي الذاتي لطه حسين نفسه. مما أدى إلى صنع سبيكة مشوهة من مظاهر الرؤية النقدية المتشبثة ببعض كسرات المناهج الأوربية (الديكارتية بشكل خاص)، وبواطن الرؤية التقليدية العاجزة عن إرساء أسس الرؤية النقدية الفعلية وتأسيس منهج الرؤية الثقافية الذاتية. وقد يكون أسلوب الرواية والحكاية الصيغة الأكثر تعبيرا عن هذه المفارقة المزعجة، أي الخاوية من إشكالية الإبداع الحقيقي، والفاعلة في الوقت نفسه على خلخلة الوعي النقدي الحقيقي. وذلك لأنها لا تصنع في نهاية المطاف غير شهية الاستماع والاستمتاع بالتقاليد الشفوية المغرية لنفسية وذهنية العوام. ومن ثم فعلها المباشر وغير المباشر على تسطيح الوعي وابتذال مستوياته النظرية.
فمجرد وضع صورة طه حسين ضمن «لوحة التكريم» الملونة للثقافة العربية، وتحوله إلى احد عناصرها المرجعية المعاصرة يعكس أولا وقبل كل شيء بقاء واستمرار فاعلية الثقافة الشفوية وتقاليد الرواية والحكاية. فقد مّثل طه حسين احد نماذجها الكبرى في القرن العشرين (العربي)، أي في زمن الصعود المشوه لما ادعوه بعقلانية الفطام التاريخي، التي تميزت أيضا بقوة الحشو والمعلومات الجزئية، وضعف مستويات التمحيص والتحقيق العلمي، وشبه انعدام للتدقيق الفكري. كل ذلك جعل من الرواية والحكاية اجتهادا. من هنا فقدانها للفكرة المنظمة مع ما يترتب عليه من آثار مخربة للوعي النظري العقلي والعقلاني. وبالتالي، فان مهمة نقد طه حسين هي أولا وقبل شيء مهمة نقد تقاليد المنهج والتسطيح المعرفي وأساليب الاستلاب الثقافي التي أدت بعد مرور قرن من الزمن الى البقاء ضمن معايير الزمن، ومن ثم انعدام التاريخ الفعلي بوصفه تراكما للمؤسسات في الوجود الفعلي للمجتمع والدولة والمعرفة والعلم والثقافة. وحتى الجدل الذي أثارته مؤلفاته فقد كان مجرد انهماك في صراع فارغ لم يؤسس للفكرة المنهجية ولا للثقافة العلمية. والسبب يكمن في أن كتب طه حسين «المثيرة للجدل» هي الوجه الآخر والأصدق والأدق عن طبيعة الوعي النقدي (المؤيد والمعارض) المثير للحيرة والاندهاش! إذ لم يكن في تلك الكتب وأغلب الردود قيمة ذاتية من حيث الأصول والأسلوب والمنهج والغاية. من هنا جوهرية الاهتمام الذي ينبغي توجيهه صوب القضايا المتعلقة بالأصول والأسلوب والمنهج والغاية، أي كل ما يستحيل بدونه إرساء أسس المنظومة العلمية والعقلانية والإنسانية للثقافة.
شخصية طه حسين وإنتاجه الفكري (1)
كانت عقلانية طه حسين (1889-1973) هي الأخرى نزوعا نحو التحرر أكثر مما هي تأسيسا فكريا لها. وليس مصادفة أن نعثر على مذاق الحرية والدفاع عنها بمختلف صورها وأشكالها ونماذجها في كل ما كتبه. بحيث يمكننا القول، بان دفاع طه حسين عن الحرية ينبع في الوقت نفسه من دفاعه عن فكرة الحرية وإدراك قيمتها وأهميتها وأثرها الفعلي بالنسبة لصيرورة الإنسان والمجتمع والدولة والثقافة. بعبارة أخرى، إن الدفاع عن الحرية نابع من كونها فكرة عميقة ودائمة في تفكيره ومواقفه. وقد تكون كلمته عن أن «الكلمة الأخيرة ستكون دوما للحرية» هي احد النماذج الجلية بهذا الصدد. ومن هنا استكماله إياها بعبارة «النار مهما كانت ملتهبة لا يمكنها أن تحرق كتابا» . ومن ثم لا يمكنها أن تحرق الذاكرة والذكرى المتعلقة بمصادر الحرية المتنوعة، تماما بالقدر الذي تجعل من مختلف أشكالها ومستوياتها ونماذجها صورة معقولة ومقبولة بحد ذاتها. والسبب يكمن في كون الحرية مصدر الإبداع العظيم كما أنها الصورة المثلى للوجود الإنساني، أي القوة القادرة على صنع العدالة والسعي الدائم من اجل إيجاد صيغها المقبولة. فقد أدرك طه حسين إشكالية العدل والحرية المعقدة. وأشار بهذا الصدد إلى أنها مشكلة قديمة رغم ظهورها الجلي في القرن التاسع عشر والعشرين. وإذا كان التاريخ القديم والحديث لم يحل هذه القضية على مستوى الفكر والممارسة، فان الأمل يبقى في أن يجري حلها من خلال إيجاد الصيغة المعتدلة . وليس هذا بدوره سوى الإبقاء على فكرة الاحتمال بوصفها توليفا بين الحرية والعقلانية، أي البحث والاجتهاد عن صيغة ممكنة ومحتملة.
ومع أن طه حسين لم يكن ضليعا في ميدان التفكير الفلسفي وفكرة الاحتمال العقلانية، إلا انه كان منهمكا في التعبير الحر عن حرية الفكر والتفكير لما لها من اثر وقيمة بالنسبة للعدل والحق. ففي مجرى تحديد موقفه من «ثورة الزنج» نراه يشير إلى ما اسماه باستنادها إلى تقاليد الخوارج . وبغض النظر عن ضعف دقة هذا الربط، إلا أن من الممكن رؤية بواعث الدفاع عن فكرة العدل كما هي. وهذه بدورها وثيقة الارتباط بالحرية. من هنا قوله، بان تناول ثورة الزنج وأمثالها في التاريخ الأوربي لا يعني الأخذ بها بقدر ما تعني الإشارة إلى ما في تراثنا من تقاليد عريقة في الدفاع عن العدل الاجتماعي من جهة، وأهميتها بالنسبة للأدباء من جهة أخرى، أي أهمية استلهامها في الإبداع الفني والأدبي . والشيء نفسه يمكن ملاحظته حالما نراه يتكلم عن الحب والعشق في مجال الأدب والشخصية من خلال ربطه بالتحرر العقلي وفكرة الفن. بحيث نراه يجري مقارنة بين ستندال وابن حزم بصدد قضية الحب العشق، بينما نراه يفرد لعشق اوغست كونت صفحات عديدة توصله في نهاية المطاف إلى القول، بأنك ترى الإنسان ساذجا وهو شديد التعقيد . وبالمقابل نراه يدافع عمن يدعوهم بالشخصيات الحرة العقلية ويتناول فيمن يتناوله شخصيات متنوعة مثل بول فاليري ويزيد بن المفرّغ .
إن الحرية بالنسبة لطه حسين هي معقل الثبات بسبب ارتباطها الجوهري بالعقل والمعرفة. بعبارة أخرى، إن الحرية بالنسبة لطه حسين هي حرية مدركة. وسواء سار هو بطريق تحديد الحرية بمعايير الضرورة المدركة أم لا، فان مما لا شك فيه هو انه جعل منها مصدر الإبداع الأدبي الرفيع والارتقاء الشامل للفرد والمجتمع والدولة. من هنا نراه يشدد على أن «الحرية لا تستقيم مع الجهل. والدعامة الصحيحة للحرية الصحيحة إنما هي التعليم الذي يشعر المرء بواجبه وحقه الفردي والاجتماعي» . ووضع هذه المقدمة أيضا في صلب دعوته عن حاجة مصر إلى ما اسماه بسلوك طريق «تكوين العلماء الأحرار المستقلين». وفي حال عدم قيامها بذلك فإنها ستبقى عالة على أوربا وتخدع نفسها بالأوهام والاستقلال في العلم . وإذا كانت هذه العبارة لا تخلو من بقايا أو فاعلية الاستلاب الثقافي المميز لطه حسين، إلا أن مضمونها العملي يبقى سليما من الناحية المجردة. وضمن هذا السياق أيضا يمكن فهم مظاهر المراهقة الثقافية في أحكامه من فكرة الحرية والعدل والمساواة وحقوق الإنسان. إذ نراه يجعل من بروز هذه الفكرة (الحرية والعدل والمساواة) جزءا مما اسماه بالارتباط الضروري بأوربا وتقاليدها. من هنا دعوته إلى ضرورة تحقيقها من خلال التربية والتعليم السليم، مع ما يترتب عليه من مهمة توظيف الأموال من اجل بلوغ الرقي والاستعداد للدفاع عن الحرية والاستقلال .
إن تلازم وتعايش الرؤية الموضوعية والاستلاب الثقافي والمعرفي كان النتاج الملازم للطابع التأملي والجزئي لتوليف العقلانية والحرية. وهذا بدوره لم يكن إلا الوجه الآخر لأثر وثقل التراكم البطيء لفكرة الحرية، ونمو الوجدان، ووعي الذات القومي، والتجديد، والفكرة النقدية، والتنوير، وثقل الضغوط الأوربية الكولونيالية آنذاك، أي ذالك الخليط الهائل الذي أراد طه حسين أن يصهره في بوتقة صغيرة. من هنا طفح الخليط واستحالة صبه في قوالب مناسبة. ولم يكن ذلك معزولا عن كمية ونوعية المتناقضات المبتورة في فكره وتفكيره ومواقفه. لكنها كانت تعمل في الوقت نفسه ضمن إطار توسيع الرؤية العقلية النقدية، والإثارة المعرفية، والتجديد المبهور بكل شيء بما في ذلك بصغائر الأشياء والأمور والأحداث. غير أن هذه النتيجة المبعثرة لكمية التجارب التاريخية كانت في الوقت نفسه الثمن الضروري لفكرة الحرية.
لقد نظر طه حسين إلى الحرية باعتبارها الحافز الأكبر والغاية العظمى القائمة وراء كل إبداع حقيقي، ووراء حقيقة الإبداع نفسه. لهذا كان يكرر بين الحين والآخر عبارات عن «تقديسه للحرية»، بما في ذلك السياسية، والاجتماعية. وإذا كانت هذه الحرية مرتبطة وثيقة الارتباط في آرائه بحرية الرأي، فلأنه أراد من وراء ذلك تحويل اللغة والأدب إلى أن «تدرسا لذاتها»، أي هدم أسس الأيديولوجية التقليدية في تحويل الأدب العربي إلى وسائل لتدعيم الدين والتخلف. ومن هنا دعوته لاستقلالية الأدب ومطالبته برفع هذه الاستقلالية إلى مصاف «العلم الطبيعي»، أي عدم إخضاعه للهيمنة الأيديولوجية والسياسية. واستند في موقفه هذا إلى رؤية منهجية عن موقع الأدب ووظيفته في الوعي الاجتماعي الثقافي. وهو السبب القائم وراء معارضته «للرؤية السياسية» في لأدب. وبالتالي رفضه لفكرة أن تكون السياسة معيارا لفهم تاريخ الأدب وحقائقه، رغم تأثيرها الكبير في تطوره وتنوع مدارسه. وينطبق هذا بالقدر ذاته على موقفه من «الرؤية العلمية» التي حاولت أن تجعل من الأدب علما يتطابق مع العلم الطبيعي. رغم ما لهذه الرؤية من أهمية في تدقيق المعرفة التاريخية بالأدب وشخصياته وإبداعها. وجعله ذلك يركن، في نهاية المطاف، إلى ما اسماه بالفكرة الوسط، أي اعتبار الأدب وسطا بين العلم والفن. وكان يقصد بذلك أن يكون الأدب محببا للناس ومفسرا في الوقت نفسه للظواهر. ومن هنا لم تكن مساعيه الرامية إلى مساواة استقلالية الأدب باستقلالية العلم الطبيعي، سوى الصيغة المناسبة لتحريره من سطوة الهيمنة التقليدية واحتكارها للروح الثقافي، أي كل ما كان يعمل على تحنيط الأدب العربي كما وصل إلينا الآن. وكتب بهذا الصدد يقول: «فما لي ادرس الأدب لأعيد ما قاله القدماء؟ ولا اكتفي بنشر ما قاله القدماء. وما لي ادرس الأدب لأقصر حياتي على مدح أهل السنّة وذم المعتزلة والشيعة والخوارج، وليس لي في هذا كله شأنا ولا منفعة ولا غاية علمية؟ . من هنا دعوته إلى ما اسماه بضرورة تحرير الأدب واللغة من التقديس .
لقد كانت دعوته إلى حرية الأدب بذاته تعني بالنسبة له أيضا الأسلوب المناسب لتحرير جيله. لهذا أكد على أن جيله المعاصر لا يمكنه أن ينتج تاريخا للآداب العربية بمعناها المعاصر ما لم يحرر نفسه، تماما بالقدر الذي لا يمكنه أن يحرر نفسه من دون أن ينتج آدابا عربية حية . وقد كانت هذه الدعوة قائمة في صلب مشروعه العقلاني النقدي، المتعلق بإدراكه الجديد لمهمة الأدب. فهو يضع في مهمات انتقاده للتيارات التقليدية الأزهرية في مواقفها من الأدب مهمة رفعه إلى مصاف الأدب الحي. بمعنى تخليصه من وظيفته التقليدية كخادم وضيع للاهوت. وبالتالي تحويله إلى أدب مرتبط بمشاعر الناس وحياتهم وقضاياهم . ووضع هذه الفكرة في أساس موقفه من مهمة الأدب بوصفها مهمة الارتباط بالحياة الفردية والاجتماعية والوطنية والقومية بمختلف مظاهرها. بحيث نراه مرة يقول، بن «الأدب متصل دائما بالحياة الواقعية. وكلما تصبح الحياة شعبية كلما يكون الأدب شعبيا. وهو مسار الحياة الأدبية، لأنه مسار حياة الشعوب» .
وليس مصادفة على سبيل المثال أن يقول، بان مهمته دراسة الأدب العربي وتاريخه هو لما فيه من ضرورة بالنسبة للوعي القومي والتاريخي. ومن يجهله ويزدريه لا يحق له الحكم فيه أو عليه. وضمن هذا السياق أشار إلى أن الغاية من وراء جمع المقالات التي كتبها عن حافظ وشوقي تقوم في إثارة «الميل القومي إلى درس الأدب والاعتناء به، وتقوية الذوق الفني وتوجيهه صوب الحياة ومشاكلها ومثلها العليا» . ومن الممكن العثور على التوجه والتوجيه في الحافر القائم وراء قصة (ما وراء النهر) وغايتها . فمع أنها لم تكتمل، لكنها تسير ضمن سياق القصة الاجتماعية، وضمن سياق أفكار ومفاهيم وقيم ومواقف طه حسين الاجتماعية. بمعنى وضع الأدب في خدمة المجتمع والعدالة والحق. وسوف يقول طه حسين في وقت لاحق إلى ثورة يوليو لم تكن معزولة عن اثر الأدب الإصلاحي، وان للأدب دوره ومكانته فيها. ونعثر على ذلك على امتداد كتابات الأدبية والاجتماعية. فنراه يؤسس لفكرة العدل والدفاع عنها ولكن بمعايير الحكاية والخطابة كما هو الحالة على سبيل المثال في (المعذبون في الأرض). إذ نعثر فيعه على انتقاد متنوع لحالة البؤس والخراب المادي والمعنوي في مصر، عبر انتقاد الواقع . ومع أن «قصص» (المعذبون في الأرض) واقعية فنية إلا أنها تتبخر في مجرى القراءة كما لو أنها لا شيء. غير لأن الشيء الوحيد الباقي فيها هو رغبتها في إيصال فكرة، شأن كل تلك الروايات الحماسية لفرح انطون وأمثالها التي لا يمكن قراءتها الآن إلا من جانب حثالة الفكر اليساري المتعصب أو نصف الجاهل والمولع (بالأيديولوجية). وليس مصادفة أن يحتوي الكتاب على قصص عن صالح وقاسم وخديجة والمعتزلة (مع أن العنوان لا علاقة له بفرقة المعتزلة بقدر ما يرتبط بعائلة بائسة ! لكنها تصب في مسار المهمة السياسية والاجتماعية للأدب كما فهمها طه حسين.
لقد أدت غلبة «المهمة» الاجتماعية والسياسية على القيام بما لا يرغب القيام به من الناحية المجردة. من هنا يمكن فهم قول بأنه «أكثر من بنفر من إلقاء دروس الوعظ والإرشاد وتنبيه الغافلين وما شابه ذلك إلا انه مضطر لذلك انطلاقا من إدراكه لواجبه الوطني الصادق والكرامة الإنسانية . وأن يقول في حالة أخرى، بأنه «لا يحب الديمقراطية المحافظة ولا المعتدلة، ولا اقتنع بالاشتراكية الفاترة، وإنما أياسر إلى أقصى ما استطيع». ولا علاقة لهذا «الغلو» بغلو الراديكالية السياسية أيا كان شكلها ومحتواها بقدر ما أنها مؤشر على بعض معالم الرؤية النقدية الأدبية والاجتماعية التي تطح بين الحين والآخر، خصوصا إذا أخذنا بنظر الاعتبار خلو فكر وتفكير طه حسين، شأن كل رعيل وممثلي عقلانية الفطام التاريخي من رؤية منظومية. والشيء الوحيد القادر على تنظيم هذا الخلل أو التعويض عنه هو مزاج الرؤية النقدية وتجانسها في ميدان المواقف والأحكام الأدبية والاجتماعية والسياسية لحد ما. ومن الممكن العثور على سبيل المثال في موقفه من التربية والتعليم نموذجا على هذه الحالة. فهو يدعو للفكرة الديمقراطية في التعليم، على أن يجري من خلال تعليمها . كما يدعو إلى أن «تكفل الديمقراطية للناس الحياة. ويجب قبل كل شيء أن تكفل لهم القدرة على الحياة» . ويستكمل ذلك بفكرة توحيد المناهج وإعلاء فكرة الوطنية والعلم والطابع الاجتماعي، مع إقراره بان ذلك لا يتعارض مع التنوع والاختلاف لكن بشرط وجود الحد الضروري من المناهج والبرامج التي تكفل «تكوين الشخصية الوطنية في نفس التلميذ. ويركب في طبعه الاستعداد لتثبيت الديمقراطية وحماية الاستقلال» . من هنا مطالبته بحصر التعليم بيد الدولة، أي أن توكل للدولة إلى أمد بعيد.على أن يبنى ذلك على أساس «التنظيم الدقيق والإشراف القوي والملاحظة المتصلة» . بل ونراه يجعل من الدولة بداية ونهاية القوة الحاكمة في «تكوين العقلية المصرية». وكتب بهذا الصدد يقول بان «الدولة هي المسئول الأول، والمسئول الأخير عن تكوين العقلية المصرية تكوينا يلاءم الحاجة الوطنية الجديدة…. إنها تنحصر في تثبيت الديمقراطية وحماية الاستقلال» .(!)
إن هذا التناقض الجلي والعميق و»المستقبلي»، أي الخطر بالنسبة لمستقبل الثقافة في مصر ينبع أولا وقبل كل شيء من ثقل المرحلة وثقل فكرة المهمة الاجتماعية والسياسية وصهرهما في كل واحد. وهذا بدوره ليس إلا النتاج غير المباشر لانعدام الرؤية المنظومية مع ما يترتب عليه من ضعف أو انعدام تنظيم الأفكار والمواقف والأحكام والبدائل. والقضية هنا ليست فقط في استحالة تثبيت الديمقراطية في دولة خديوية وبالأخص بعد أن يجري تحويلها إلى المسئول الأول والأخير عن صنع»العقلية المصرية»، بل وبما فيها من خطورة مستقبلية. بعبارة أخرى، إن هذا الغلو هو الوجه الآخر للرغبة العميقة في تمثل الإمكانات الواقعية في الدولة والمجتمع من احل تجاوز الهوة الواسعة بين الواقع المصري والصيغة النموذجية التي وجدها آنذاك في أوربا. الأمر الذي طبع اغلب أفكاره بصدد التربية والتعليم بطابع سليم وعملي رغم الثغرات المنتشرة في نوعية تفكيره وتأسيسه للمواقف والأحكام. ومفارقة الظاهرة هنا تقوم في أن مصدر هذا الخلل يكمن في تعايش وتنافر الرؤية النقدية والواقعية والمستقبلية. وذلك لان الغاية التي كان يسعى إليها بهذا الصدد تقوم في الدعوة لإعارة الاهتمام الأكبر بالتعليم وصرف الأموال من اجله وتحريره وتوسيعه والاهتمام بالتلاميذ من الناحية المادية والمعنوية والصحية .

About alzawraapaper

مدير الموقع