سلطة النص ولعبة الكتابة

إن إعلان “موت المؤلف” هو الذي مكن من “تحرر الفكر النقدي من سطوة المتكلم”، وبالتالي الولوج إلى “مسرح الكلام، والذي نعنيه على وجه التدقيق هو انعتاق النقد من مرجعية “المتكلم بالأدب” إلى مرجعية الكلام الأدبي نفسه، وهو الإعلان عن تحول وجهة النظر من الناطق بالنص إلى النص بذاته، أو قل من ناسج القول إلى نسيج القول”.
ولذلك سيكون من المهام المنوطة على النقد النصي “مقاربة النص الأدبي بما هو بنية مغلقة ومكتفية بذاتها، لا تحيل على وقائع مجاوزة للغة قد تتصل بالذات المنتجة أو بسياق الإنتاج، بل تحيل على اشتغالها الداخلي فقط، مكرسا بذلك فيتشية النص ولا شيء سواه”.
وتعتبر الشكلانية الروسية واحدة من أهم المحطات التي أرست دعائم هذا الاتجاه، وفق تصور جديد، يعيد النظر في المسلمات التي تبنتها “المناهج التقليدية”، وهو ما حدا بأحد روادها (جاكبسون) إلى تحديد مجال اشتغالها بقوله: “إن موضوع العلم الأدبي ليس هو الأدب وإنما الأدبية، أي ما يجعل من عمل ما عملا أدبيا… وهكذا فإن مؤرخي الأدب يأخذون أطرافا من كل شيء، من الحياة الشخصية، من علم النفس، من السياسة، من الفلسفة. إنهم يركبون جمعا من الأبحاث التقليدية بدلا من علم أدبي كما لو كانوا ينسون أن كل موضوع من الموضوعات المذكورة إنما ينتمي بالضرورة إلى علم معين… وأن هذه الموضوعات يمكن لها بالطبع أن تستعمل الوقائع الأدبية كوقائع ناقصة ومن الدرجة الثانية”. كما يستطرد نفس الباحث من خلال عبارة استعارها من ملارميه: “الزهرة الشعرية هي تلك التي لا توجد في أية باقة”.
أما المبدأ الثاني الذي دافع عنه الشكلانيون الروس، فيتعلق أساسا بإعادة الاعتبار لمفهوم الشكل، الذي تم إقصاؤه في الدراسات التقليدية. وهذا ما أكده تينيانوف بقوله: “مهمة التاريخ الأدبي… هي بالتحديد، الكشف عن الشكل”.
وقد نحت البنيوية منحى الشكلانية الروسية، فأعلنت باسم رائدها رولان بارت Roland Barthes “موت المؤلف”، حيث أصبح النص متحررا من كل سلطة قبلية أو قيود آسرة مستهدفة. لذلك فإن “نسبة النص إلى مؤلف معناها إيقاف النص وحصره وإعطاؤه مدلولا نهائيا. إنها إغلاق الكتابة”. وفي موضع آخر يؤكد بارت أن “الكتابة قضاء على كل صوت، وعلى كل أصل، الكتابة هي هذا الحياد، هذا التأليف واللف الذي تتيه فيه ذاتيتنا الفاعلة. إنها السواد-البياض الذي تضيع فيه كل هوية، ابتداء من هوية الجسد الذي يكتب”.
أما مشروع السيميولوجيا، فإنه جاء كإضافة جديدة ومكملة للأشواط التي قطعتها “المناهج الجديدة” (اللسانيات، البنيوية، الأسلوبية…) من حيث ارتكازها (السيميولوجيا) على النص، ليس في نسقه المغلق، ولكن في بعده الانفتاحي. “فقد بدأ الجميع ينظر إلى أن النص غير منجز ما دامت قراءاته متواصلة، بل إنه في دلالاته يتضاعف مثل المتوالية الرياضية، تبعا لتعدد القراءات”.
إذا كانت اتجاهات “النقد النصي” (الشكلانية، البنيوية، السيميائية…) قد أعلنت من سلطة النص على حساب فيتيشية المؤلف والمرجع، فإن الأشواط الأخيرة التي قطعتها وصلت بها إلى تخوم “مملكة القارئ” دون أن تتمكن من احتلالها: فعبر مجهودات جان موكاروفسكي، وفيليكس فوديكا (الشكلانية الروسية) وطروحات بارت ما بعد البنيوية، وأسلوبية ريفاتير، وسيميوطيقا إيكو… تتعالى أصوات تنذر بحدوث تغيرات وتحولات في التناول النقدي للظاهرة الأدبية، إلا أنها رغم ذلك تبقى أصواتا خجولة، ما دام عنصر النص لا يزال يحتل صدارة التحليل في دراساتها وأبحاثها.

About alzawraapaper

مدير الموقع