سلاماً لبيروت الحبيبة

أحمد الجنديل

في الحفلة التنكرية التي أقيمت على أرض البلاد ، لمناقشة أوضاع العباد ، ومواجهة التحديات المصيرية، تعالت الصيحات، واحتدم الجدل، وارتفعت الأكف، ومع صراخ المعارضة وتصفيق الموالاة، وعقد الصفقات، وشراء الذمم، واختلاط الأصوات، تداخلت الوجوه بالأقنعة، ولم يعد أحد قادراً على فرز الأقنعة عن الوجوه الحقيقية.
عصرنا اليوم هو عصر التضليل والتعتيم والتخدير والتبرير، عصر الحفلات التنكرية التي يضيع معها الخيط والعصفور، ولا يستطيع أحد التمييز بين الجلاد والضحية، يضيع الوضوح ومع غيابه تخرس كل البوصلات، وتجف منابع الفهم في العروق.
العالم اليوم يقف على جرف الهاوية بفعل حالات الفوضى المصحوبة بالتنكر من أجل ردم منابع الخير، وحرق جذور الأمل، وتدمير حاضنات التأمل، الحفلات التنكرية تعيش مرحلة انتعاشها، والفوضى تعم عواصم المنطقة، ولا تعرف من يرقص على جثة من؟ ومن يبكي بصدق على فصول الفجيعة التي امتدت إلينا عبر الحفلات التنكرية؟
بغداد السلام والحضارة والتاريخ المشرق ومهد الابداع وحاضنة العطاء، تتحول بفعل شرير الى ساحة للصراع الطائفي وبؤرة للتطرف، وترتدي السواد وترتد الى الوراء مخلفة وراءها نهرا من دم، وقوافل من ضحايا، وفيالق من أرامل وأيتام، دون أن يمتد أصبع شجاع ليشير الى الفاعل الحقيقي، وتظل الحفلات التنكرية تعرض كل يوم على مسرح بغداد بين المؤيدين والمعارضين دون محاسبة أحد رغم كل هذا الدمار والخراب.
اليمن السعيد ما عاد سعيدا وغرق في بحر الحزن، واختلط الدمع بالدم، وترافق الجوع مع المرض، وما زال العرض قائما، وما زالت الاقنعة تحل محل الوجوه الحقيقية في لعبة سمجة لا تعرف المنطق، ولا تقترب من الاخلاق.
دمشق البهاء والسناء والعطاء، انقلبت على عقبيها وأصبحت مصنعا للخوف والجوع والخراب، وانتعشت تجارة الكمامات التي تغطي الوجوه، واختفت دلائل الفرز بين الوجوه والاقنعة.
طرابلس تاريخ الاعراف والتقاليد العربية الأصيلة، لم تعد قادرة على الوقوف على قدميْها بفعل التطرف الذي حرق الوجوه بنيران الاقنعة، ولم يبق غير رماد النكبة والمأساة التي يعيشها الجميع.
وبيروت الجمال والأناقة، بيروت العشق والمحبة، بيروت الماء العذب والوجه الحسن والخضرة الدائمة، بيروت رئة الشرق التي تمنحنا الهواء النقي كلما مررنا بها، بيروت الصبايا اللواتي يحملن سحر العالم، وشيوخ الكياسة، والأطفال الحلوين، بيروت حلم العاشقين، وملاذ الشعراء، ورحم البهجة، تنقلب الى بيروت الهلع والدخان والدمار، بيروت أراها يتيمة في هذا الصباح، ماتت البسمة على شفتيها، شنق الفرح على شواطئها، بيروت اليوم تعلن اللعنة على كل الوجوه التي كانت سببا في دمارها. احرقوا كل الأقنعة أيها الناس، اكشفوا عن الوجوه الحقيقية التي جلبت لنا كل هذا الخراب، استرجعوا قواكم العقلية لكي تعمل على وفق المنطق والحكمة، فلقد وصل السيل الى ذروته.
إلى اللقاء…

About alzawraapaper

مدير الموقع