ساحة الطيران التسمية والمسطر

عرفت بغداد بكرة ساحاتها العريقة, ساحات للعمل وساحات توثق التواريخ وساحات توثق السياسة وساحات للمواعيد, ولسنا في معرض التسميات فهي معروفة لابناء بغداد وللمحافظات وحتى للعرب الوافدين
ساحة الطيران في بغداد هي ساحة مكتظّة دائماً بالمارّة والمتبضعين والعمال، مثل ذاكرتها الضاجّة بالصخب. ساحة الأحزان وأحلام الفقراء التي احتضنت الهاربين من ويلات الإقطاع وآهات الجوع والضيم، وما زالت تشد حزامها لتكون حاضنة لعمال البناء والباعة الجوالين، حتى تحولت زاوية كبيرة منها الى (مسطر) للعمال وباب رزق للكادحين.
لكن تجمعات العمال والفقراء صارت هدفاً سهلا للإرهابيين الذين فجروا سياراتهم المفخخة في أنحائه.
ظلت ساحة الطيران حيوية، واحتفظ موقعها بستراتيجيته كمحطة للعديد من مناطق بغداد، تحيطها أسواق لمختلف البضائع ابتداء من الخضار والفواكه والمواد الغذائية والمنزلية والسمك والدجاج، وصولا الى الملابس والأحذية والـ (بالات) المحمولة على العربات الثابتة والمتحركة، فضلا عن البسطيات التي يبيع أصحابها كل الاشياء، وكذلك فإن الساحة تشتهر بكونها مطعماً مفتوحاً، طيلة 24 ساعة، للوجبات السريعة من الأكلات الشعبية التي يتصاعد دخانها هنا وهناك، إضافة الى أكشاك الشاي وعربات العصائر وبائعي الصحف الذين يفترشون الأرض، وحيث طوابير سيارات النقل تقف على رؤوس الشوارع الرئيسة والفرعية، فيما هنالك خزان المياه الكبير، الذي مايزال مشرفا على المكان منذ الستينيات بطوله الفارع ومشكلاًعلامة دالة للمنطقة كلها وصامداً ضد الظروف والاقتراحات بهدّه او جعله كازينو.
تقع ساحة الطيران في منطقة الباب الشرقي بصوب الرصافة ببغداد، ومنها تتحرر بدايات شارع الكفاح الممتد شمالاً، وشارع النضال جنوباً، وشارع الشيح عمر شمال شرقيها، ومن جهة الغرب تشكل الساحة امتداداً لساحة التحرير التي ترتبط معها بحديقة الأمة، وهي أقدم من ساحة التحرير، ويبدو أن ساحة الطيران، حسب خارطة بغداد القديمة، تقع خارج سور المدينة، وإن كان (باب كلواذى / الباب الشرقي) الأقرب اليها، ففي كتابه ( بغداد مدينة السلام- 2،229) يقول المؤلف ريتشارد كوك “يتضح لنا أن خطوط العدو (هولاكو) التي وصل اليها المستعصم مستسلماً حين خرج من باب كلواذى (الباب الشرقي) كانت في المواضع القريبة من الباب المذكور ولعلها كانت فيما بعد تسمى (البتاويين)».
فيما يذكر ابراهيم الدروبي في كتابه (البغداديون ص393) ان «بغداد في العهد العثماني كانت مدينة محدودة، اذا وصلت الباب الشرقي لم تجد (بعد عبادان قرية). ولأجل هذا كان البغداديون يتخذون من اطراف بغداد وضواحيها العامرة ومنها منطقة الباب الشرقي مكاناً للنزهه حيث يخرجون عصر كل يوم لامتطاء الجياد».
وهناك دلالة اخرى وهي أن مقبرة الأرمن في ساحة الطيران كانت خارج هذا السور. الى ذلك تؤكد المصادر التاريخية أن (حديقة الأمة) التي كانت تسمى في العهد الملكي (حديقة الملك غازي) جرى انشاؤها على جزء من الخندق الذي يحيط بالسور وكذلك الشارع الممتد من ساحة التحرير الى ساحة الطيران وهو الحد الفاصل بين منطقة الباب الشرقي والأورفلية.
سبب التسمية
تعود تسمية الساحة بـ (الطيران) الى عام 1940، بقرار من أمانة العاصمة التي ارتأت أن تضع التسميات لعدد من ساحات بغداد، وجاء في القرار (قرر مجلس أمانة العاصمة في جلسته المنعقدة بتاريخ 18 تشرين الثاني 1940 تسمية عدد من الساحات وكان من أهمها: الساحة المطلة عليها بناية المركز العام لجمعية الطيران التي يبدأ منها شارع الملك غازي بساحة الطيران). وسبب تسمية الساحة بـ (الطيران) يعود الى جمعية الطيران العراقية التي تأسست في حزيران عام 1933 من قبل وزارة الدفاع لغرض تطوير الطيران والتوعية بعد وصول الدفعة الاولى من الطيارين العراقيين من بريطانيا.
في البداية كان مقر الجمعية في وزارة الدفاع بمنطقة باب المعظم، إلا أن الجمعية تمكنت بفضل نشاطها من جمع مبلغ مكنها من انشاء بناية خاصة بها وذلك في الثامن عشر من نيسان عام 1934 في منطقة الباب الشرقي وسميت الساحة التي شيد عليها صرح الجمعية بساحة الطيران.
لكن تسمية الساحة تغيرت في عام 1992 حينما اطلقت عليها تسمية (ساحة السبعاوي) بعد أن وضعت فيها تماثيل العقداء الأربعة (صلاح الدين الصباغ وفهمي سعيد ومحمود سلمان وكامل شبيب) ويونس السبعاوي ورشيد الكيلاني (1892 – 1965) وهم قادة انقلاب مايس عام 1941 الذين أعدم خمسة منهم عام 1942 في سجن بغداد المركزي، ولكن في عام 2003 تمت سرقة التماثيل وعادت التسمية القديمة على الرغم من أن أحدا لم يتداول تسمية (السبعاوي) وبقيت الساحة لدى الجميع باسم ساحة الطيران.

About alzawraapaper

مدير الموقع