ريح الشمال قراءة في المضمون والدلالة

الزوراء / خاص
علي أحمد عبده قاسم
إذا كانت القصة القصيرة ذلك المغزى الذي يرسم قضية ورسالة تشد المتلقي بإسلوب مغاير وصادم لتتغير الحياة ويتحول فكر صياغتها للأجمل والأفضل فإن مجموعة ريح للقاص/ محمد السقاف دارت معظم أحداث النصوص حول الحرب والعدوان في أغلب نصوصها فضلا عن مناقشة الانتماء واللاانتماء والولاء ونقيضه بدءاً من العنوان «ريح الشمال» ولأن ريح الشمال جغرافيا تلك الرياح التي تهب صيفا على دول الخليج والعراق وتهدأ نهارا وتشتد ضراوتها ليلا فهي معادل رمزي لتلك الغارات التي تستهدف المدنيين ليلا وهي معادل رمزي للعدوان الذي استهدف اليمن ومقدراته وإنسانه والقادمة من جهة المحاذية لليمن الشمال.
ومن خلال النصوص في المجموعة فقد صرح السرد بذلك مباشرة في أكثر من صفحة «كانت الريح تعوي فوق سماء المدينة الحالمة بأصوات عاتية ومدوية ترسل أكياس الخوف على الأرجاء بلا فرز أو استثناء» ص5.
وهو يشير لتلك الغارات التي لا تفرق بين الناس فكل من في المدينة هدف لغارات الريح.
وتترتب على تلك الريح مآس ويتم وتشرد وضياع لحياة الناس «انطلق السؤال من قاعدة سعد اليتيم مثل طائرة حربية بعد أن مكث زمنا في مدرج الخوف والتردد» ص 7.
وحين ترد العجوز على سؤال سعد اليتيم فإنها تصرخ بشكل مباشر عن الحرب والعدوان وضحاياه وما يترتب عليه من يتم وتشرد والنص عبارة عن تحذير من الجار من المتلفع بعباءة الجار «أن الأكمة وراءها ريح السموم وإن ريح الشمال التي تسمع صفيرها الآن هي سبب يتمك وبؤس الكثير من أترابك في قريتنا وفي القرى المجاورة والبعيدة».
ومضمون رسالة النص في الحكي عدم النسيان وتذكر مآسي تلك الريح والأفعال التي لحقت بالأرض والإنسان» وحدها ريح الشمال من فعلت بنا كل هذه الفواحش لنبقى قادرين على التذكر» 26.
واذا انتقلت القراءة لقصة الابن الشرعي فإنها تتحدث برمزية عالية عن الولاء الوطني وحب الوطن وفي طياتها تلمح للحرب والعدوان.
من له القدرة على ضرب وطنه أبيه فإنه ليس وطنيا وليس الابن الشرعي لهذا الوطن وهي تناص متعالق مع اسطورة تاريخية يمنية تحكي أن القيل السبئي عمرو بن مزيقيا قبيل خراب سد مأرب أخبرته أن رأت السد يتهدم وسيجرف كل المدينة ونصحته بالفرار فاختلق حيلة أن يتخاصم مع ابنه وسط الملأ ومن ثم يقوم ابنه بلطمه وحين صفعه ابنه قال» والله لا أقيم ببلد لطم الابن فيه أباه» وتهدم السد وترك الناس يغرقون ويموتون وكان أول خائن في التاريخ اليمني .
أما نص الموت للشجرة فإنه نص يتمحور حول الصراع وأحداث 2011.
والمظاهرات والاعتصامات ودخول القبائل صنعاء فكانت الشجرة رمزا للسلطة والوطن ويستنكر السرد امتلاك السلطة والاستئثار بها فتحولت الشجرة لرمز للحاكم «صمدت في مناسبات عدة وزحفت باتجاه الشجرة لإرغامها على أن تتزحزح عن موقفها المتصلب وإما أن تنجني جذوعها أو تحزم أغصانها وترحل عن المدينة في الحال».
ومن خلال عنوان النص وضمير الأنا فإن الموقف لم يكن محايدا خاصة والحيادية عدم الانتصار للذات أو للطائفة أو لأي شيء لا يحقق الانصاف.
فالشجرة رحلت مع ثمارها والأغصان والظل..
والإنسان يحلم بشجرة يتفيأ خيرها وظلالها والثمار.
وفي نص قصة «الكارثة تمشي» بعكازين فإن الراوي يحاول رسم توقعه لحادث شنيع يتوقعه ويحذر من وقوعه» الكارثة تمشي بعكازين تحول أصقاع المدينة الشاردة ، السوق ، الحافلة ، تئن الحافلة بتمثيل غير متقن» 39.
والنص كرر أفاعيل الكارثة من المتجر إلى المنبر لينتهي السرد بتصوير الحادث الذي شردت عنه المدينة «ذهب كل راحل إلى بغيته والكارثة وحدها الآن تندب حماقتها في المكان تحت الأشلاء والحطام» ص39.
أما أقصوصة «لا سؤال ولا جواب» فقد تمحورت حول الأسئلة الكبيرة التي يثيرها الأطفال وتلجمنا بالخرس فلا نستطيع الإجابة عليها فحين يسأل الطفل اليتيم من حوله «احنا أيش عملنا بالطائرة حتى تقصف بيتنا».
وهو نفس السؤال الذي يردده الكبار والبسطاء ما الذنب الذي اقترفنا حتى يدمر بيتنا الكبير وطننا اليمن؟!.
حتى القصص القصيرة دارت في مضامينها حول الحرب والانفجارات والمآسي والتحول والتبدل في المكان «دمعتان صغيرتان ظلتا تركضان طاحت الصغرى عشرين مرة، نادتها الكبرى سبعين مرة، التفتت نحو كرة النار لم تكن أمهما» .
فمن جراء الانفجار تحولت الشخصيات إلى كائنات أخرى حيث أن الام تفحمت والمكان تغير.
وهذا نص يرسم التحول والتبدل المرعب والكل يبحث عن أخيه فيراه غريبا فترسم مأساوية في أعماق المتلقي.
واذا كانت العنونة هي احترافية كاتب وهي اختزال لمضامين النص فإني ألفت للآتي:
– عنونة المجموعة بريح الشمال عنوان ناجح ورمزي لكنه لا يصلح عنوانا للقصة بوصفه كشف المضمون .
– في الققج نحج الكاتب في النهاية المدهشة ولم ينجح في العنونة فالعنوان ليس جزءا من النص.
– الققج « وطنية» ليس قصة قصيرة جدا لأنه بلانهاية مدهشة وهو خبر مطابق للواقع اسمعه بالباص والحافلة والققج ليس خبرا مطابقا للواقع.
– قصة عقب الانفجار نحج الكاتب في النهاية والمفارقة والإدهاش والعنوان.
– كانت المجموعة حافلة بالرمزية والمعادلات الموضوعية التي تبرز حقائق في مخيلة المتلقي وتحرك المشاعر والفكر إزائها.
– لغة الكاتب عالية مدهشة تكسر أفق المتلقي.
– الحشو والتطويل هو مأخذ خاصة والقصة القصيرة عن قضية لها مغزى ولها حدث يتشعب لنصل للنهاية مدهشة وفيها التكثيف ولها شخصيات محدودة وزمن ومكان محدد.
وأخيراً قدم الكاتب مجموعة وطنية تنم عن حب وانتماء للوطن ومآخذي للكمال لا للتقليل من أهمية المجموعة.

About alzawraapaper

مدير الموقع