رمضان ما بين العمل والعبادة

منذ أيام ونحن نعيش أجواء رمضانية مباركة رغم متاعب الحياة وهمومها وضغوط العمل لدينا.
من منا لا يتعرض في حياته اليومية إلى الضغط والكبت .. ومن منا لم يواجه خلال أوقاته الكثير من المواقف العصيبة.
إن الضغوط التي تلاحقنا ، يجب أن لا تبعدنا عمّا أراد الله منا في هذا الشهر الفضيل .. ضغوطات الحياة ما هي إلا ضريبة وثمن لنجاحنا في عملنا، أو حتى النجاح في أي مرفق من مرافق الحياة، فإن كل ما في الحياة له ثمن.. وثمن النجاح هو العمل الجاد، فنجاحنا في عملنا أو في دراستنا لا يأتي بالتمني، إنما يأتي بالعمل وبالكد والجد والاجتهاد، ويأتي أيضا عن طريق تخطيطنا المتواصل لإنجاح حياتنا على أسس ممنهجة ومدروسة بشكل صحيح، فكل هذا يحتاج إلى الصبر والهدوء والمثابرة.
من البديهي ايضا في حياتنا أن كل من يحاول أن يختلف أو يتميز عن الآخر، تلاحقه الكثير من الضغوطات سواء كان رجلاً أو امرأة أو حتى شاباً، فكل من يسعى لتحسين عمله وقدراته، يواجه الكثير من الضغوط النفسية والاجتماعية والاقتصادية من حوله، وقد تجعله هذه الضغوط يفقد السيطرة على أعصابه في بعض الاحيان، لكن من يسعى بتميزه الفكري وحبه لتطوير ذاته، يحول السلبيات التي تواجهه إلى إيجابيات تدفعه نحو التمكن من عمل جاد وناجح، يحقق له الأهداف المنشودة التي يسعى إليها.
في المقابل هناك الكثير من الأشخاص غير المجتهدين وغير الطموحين لا يهتمون في أن يصلوا للمراتب العليا، أو حتى يصلوا لدرجة التفكير في تحسين ذاتهم ، فنجد هؤلاء ينهارون مباشرة أمام الضغوطات التي تواجههم، فيرون أن السبيل في التخلص من هذه الضغوطات هو ترك مجال العمل والانسحاب بكل بساطة، للبحث عن أماكن عمل لا يوجد بها ضغوطات، معتقدين في أنفسهم أنهم تَغلبوا على تلك المشاكل، ولكن تلك الاعتقادات ما هي إلا وهم ، فلا يوجد عمل بلا ضغوطات.
بالعودة الى شهر رمضان المبارك الذي جعله الله من افضل الشهور، فيه ليلة خير من الف شهر.. شهر أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار، دعونا نفكر في العمل والعبادة في آن واحد.. ننجح في عملنا بشتى انواعه ونتقرب بالعبادة الى الله عز وجل .
في هذا الشهرالكريم تهلل وتكبر المساجد وتكثر الناس من الاعمال الصالحة والعبادات، ومن مآدب الافطار، واخراج الصدقات، وتفقد واكساء الايتام وقلة الانفتاح، وترك الجوارح، والجار يطرق باب جاره حاملا معه طبق رمضان، هذا العرف الاجتماعي الذي لم يختفِ في احلك الظروف.
نلتمس في هذا الشهرالفضيل اجمل العبارات «رمضان يوحدنا، وربانيون في رمضان، والانسانية مع رمضان».. لكن شريحة المدقعين من «الفقراء والايتام» في المجتمع هم اكثر من ينتظر خيرات رمضان.
الفقر في اللغة هو «العوز والحاجة»، والفقير هو «من لا يملك إلا أقل القوت»، وفي هذه الأيام وفي الكثير من الدول من يملك 1 الى 10 دولارات يوميا فهو فقير.
لا ينظر الإسلام إلى الفقر على إنه عيب اجتماعي، أو ذلة للفقير، ومنقصة من كرامته، فقد علّم الدين أبناءَ هذا المجتمع ومنهم الفقير نفسه «أن الكرامة والرفعة فيه ليست بالثروة، وما يملك المرء من اموال وعقارات وسيارات»، بل بالإيمان والعلم والعمل الصالح والتقوى .
وينظر الإسلام الى الفقر على أنه ابتلاء من الله عز وجل لعبده المؤمن.. قال تعالى (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الخَوْفِ وَالجُوْعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَـٰـبـِرِيْنَ).
ويثاب العبد الصابر على الابتلاء بالضرّاء كما يثاب العبد الشاكرعلى الابتلاء بالسرّاء .. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم «ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائعا إلى جنبه وهو يعلم به».
وسيدنا الامام علي بن أبي طالب (ع ) يقول «المال يستر رذيلة الأغنياء، والفقر يغطي فضيلة الفقراء».
اما لقمان الحكيم يقول «حملت الجندل والحديد وكل شيء ثقيل فلم أحمل شيئا هو أثقل من جار السوء، وذقت المرار فلم أذق شيئا هو أمر من الفقر».
لنجعل من هذا الشهر الكريم شعارا كبيرا «رمضان يوحدنا ويجمعنا».. نعم وحدة تحمل انسانية تليق ببلدنا العظيم .. ووحدة تجعل من نسيج ابناء البلد قوة بوجه كل من يريد تقسيمه، وليتفقد احدنا الاخر، ونرفع أكفنا بقلب صادق بالدعاء لاهلينا ولأصحاب الفضل علينا، ولبلدنا.. ان يدفع الله عز وجل عنه كل سوء ويحفظه من كل مكروه.
لا نريد ان ننام وفي قلوبنا قسوة ظلم الأقوياء على بعضنا!
ولا نريد ان ننام ونسمع جارنا يئن جوعا، ونحن نجلس أمام مائدة حافلة بصنوف الطعام والفواكه.. لنتقاسم رغيف الخبز، وليتفقد بعضنا الاخر، ونتبادل الدعاء مع اهلينا واحبتنا واصدقائنا.. ونجعل «رمضان يوحدنا ويجمعنا» منهجا لا شعارا .

About alzawraapaper

مدير الموقع