رسوخ البياض ذهنياً … الشاعر المصري “ أمل دنقل “ في قصيدة – ضِدَّ منْ ؟

عدنان أبو أندلس
من غرابة حياتهِ الضاجة بالمآسي والفقر والإحباط إن أسمه “ أمل “ يا للمفارقة العجيبة التي قادتهُ إلى تشرد وتيهٍ !.. هكذا كان حاله حالَ أقرانهِ من قيافي أرصفة الضياع ، فمنذُ ولادتهِ وحتى مماتهِ ؛ ما عرف طعم الهناء والمسرة أبداً، فمحنة العوز رافقتهُ مع مذاق الحليب بدءاً ، ثم طعم الخمرة التي سقت عروقهِ بانتشاء عذب ، وحتى وداعهِ للدنيا .الغرابة التي تشكل علامة استفهام حتى في اسمه ،والذي يتبادر إلى القارئ بأنه – أي الاسم – مختصٌ للإناث في واقع الحال ، فكيف للنوبي الأسمر من هذا الاسم. قارع الظلم والاستبداد في مسيرة حياتهِ التي تقاسمتها النوادي والسجون والسهر ، اُتهم بالإلحاد لتمردهِ على أدلجة الطبع العام، كان قياف الأرصفة التي تستدل على مراميهِ بمبتغاة حيثما يريد ،فعنوان قصيدتهُ “ضِدَّ منْ” مجهولية التشخيص بالمسبب المجهول – قد يجعل المتلقي يتوقف بعبارة نعم – ضد من – ويواصل بهمسً مع النفس مرددها لمرات ثم يسكت ، لكن حين يقرأ استهلال النص – في غرفة العمليات يكف عن ذلك :
في غُرَفِ العمليات
كان نِقابُ الأطباءِ أبيضَ
لونُ المعاطفِ أبيضَ
تاجُ الحكيماتِ أبيضَ
أرديةُ الراهبات، الملاءاتُ
لونُ الأسرّةِ ،أربطةُ الشاشِ والقُطْن
قرصُ المنوَّمِ ، أُنبوبة المَصْلِ
كوبُ اللَّبن ، كلُّ هذا يُشيعُ بقلبي الوهنْ
كلَّ هذا البياض يذكرني بالكَفنْ
الاستهلال ينذر بالتغيير كون الحالة ليست على ما يرام ، يمكننا أن تصورها ذهنياً ما يجري هناك وفي ذلك المكان المرعب – غرفة العمليات – تفتح ويدخل جسدُ ومبِضع يلمع وعين تدمع ، فالمريض في حالة يرثى لها من تصورات ربما واهية بفعل الخوف ، فالبياض متأصل ذاتياً من ترتيب الخطوة بالخطوة – بدءاً من نُقاب الطبيب – المعاطف – الأردية – الملاءات – الشاش –الأربطة – اللبن – الحليب – البيض – كلها تنز إشعاعات الوجع الذهني، كل هذه المفردات الضاجة بلون البياض تنذر بالحالة التي يتصورها اللحظة وتذكره بالكفن ، فالمريض حينها يترقب وكأن النهاية الحتمية قد اقتربت منهُ ، وكأن الموت أضحى لونهُ ابيضً – بدليل ربما يشابهُ اكتساء اللون وسطوعهِ بإشعاع لوني للبياض وحالما يتوقف الدم،يسري اللون بدقائق إلى كافة أنحاء الجسد فيغطيها بصبغة ثلجية باهتة وباردة، مع العرض بأن لون البياض محبة وهدوء ورحمة ببعد إنساني مشترك ،حيثُ يولد لدى المريض بانطباع كلي نحو الشفاء ، فملائكة الرحمة ربما جاءت من منطق اللون الأبيض :
…. فلماذا إذا متُ
يأتي المعزونَ مُتَّشِحينَ ؟
بشاراتِ الحِدادْ
…هلْ لأنَّ السوادْ
هل لونُ النجاة من الموتِ
لونُ التميمةِ ضِدَّ .. الزمنْ ؟…
هذا المقطع الضاج بأسئلة حيرى !.كأنهُ دالٌ على مجهولية شكل اللون ، أو ربما بتصورهِ الذهني هكذا تسير الأمور بعدهُ ،كون الذي سيصار عليهِ والحالة قد تكون هكذا ،أسئلة الشَّك التي ترافقه حتى غرفة العمليات لأنهُ سيموت مؤقتاً – بتخدير – كل تصوراتهِ التي بناها في مخيلتهِ ،قد أضحتْ تحقق تنبؤاتهِ وكأنهُ يعلم ما سيحدثُ . الحزن لون أسود بيباس مرعب ؛ كونهُ لا روح فيهِ ، والفرح يكسب لون الاخضرار لوجود الحياة فيهِ- فنظرة الشاعر للدنيا معتمة – سوداوية ،كان يخاف الموت وترهبهُ رؤية المقابر والأضرحة والمقامات ، لذا يبتعدُ عنها ،حتى إذا كانت بطريقهِ مصادفة فيتحاشى المرور بتغيير طريقهُ لآخر ،هكذا قضى حياتهِ مبتعداً ما كان بتصورهُ ذهنياً وتجاه من فقد الروح أبدياً .

About alzawraapaper

مدير الموقع